جزر الحرارة البياناتية تسخن العالم
سوسنة، جميل ضبابات
عندما يتم تشغيل مراكز البيانات الضخمة المتخصصة في الذكاء الاصطناعي، فإن أكثر من 340 مليون إنسان في العالم يتأثرون بشكل مباشر بدرجات حرارة سطح الأرض التي ترتفع بشكل واضح ومفاجئ.
وحسب نتائج دراسة علمية شاملة، فأن مراكز البيانات الضخمة المتخصصة في الذكاء الاصطناعي تخلق ظاهرة جديدة تسمى “تأثير جزيرة الحرارة البياناتية”.
حسب مخرجات هذه الدراسة، فإن الارتفاع المتوسط في درجات الحرارة يصل إلى 2.07 درجة مئوية مباشرة في موقع المركز، ويمتد تأثيره حتى 10 كيلومترات حوله.
وهذه النتيجة التي تكشف عن بعد بيئي جديد وغير متوقع لثورة الذكاء الاصطناعي، تضيف تحديات اضافية اخرى إلى أزمة المناخ العالمية.
ونُشرت الدراسة كمسودة بحثية في آذار/ مارس 2026 على موقع “أرخايف”، تحت عنوان “تأثير جزيرة الحرارة البياناتية: قياس تأثير مراكز بيانات الذكاء الاصطناعي في عالم يسخن”.
وهذه الدراسة هي نتاج تعاون دولي قاده البروفيسور أندريا مارينوني من جامعة كامبريدج، بالاشتراك مع باحثين من سنغافورة وفرنسا وإيطاليا وهونغ كونغ.
واعتمدت الدراسة على بيانات الأقمار الصناعية من أجهزة الاستشعار عن بعد التابعة لوكالة “ناسا” وتغطي فترة 20 عاما من 2004 إلى 2024.
وركز الباحثون على آلاف مراكز البيانات “الهايبرسكيلر” المتخصصة في الذكاء الاصطناعي، والتي غالبا ما تكون خارج المناطق الحضرية الكثيفة لتجنب التداخل مع التأثيرات الأخرى.
واستخدمت المنهجية مقارنة دقيقة بين درجات حرارة سطح الأرض قبل وبعد بدء تشغيل هذه المراكز.
وتم تصفية التأثيرات الموسمية والتوجهات العالمية للاحترار وغيرها من العوامل المربكة، ليظهر نمط واضح: ارتفاع فجائي في درجة الحرارة.
في المتوسط، سجلت الدراسة زيادة قدرها 2.07 درجة مئوية مباشرة عند المواقع، مع نطاق يتراوح بين 0.3 درجة كحد أدنى و9.1 درجات كحد أقصى.
ويتركز 95% من الحالات بين 1.5 و2.4 درجة مئوية.
وهذا التأثير ليس مقتصرا على المنطقة المباشرة، انما يمتد حتى 10 كيلومترات، حيث يصل الارتفاع المتوسط إلى درجة مئوية واحدة على مسافة 4.5 كيلومترات، ويقل بنسبة 30% عند 7 كيلومترات.
ويُقارن الباحثون هذا التأثير بـ”جزيرة الحرارة الحضرية” التقليدية، التي تنتج عن الأسطح الخرسانية والأسفلت في المدن وتسبب ارتفاعا يتراوح بين 4 و6 درجات مئوية.
لكن “جزيرة الحرارة البياناتية” تبدو أكثر تركيزا وسرعة في الظهور، رغم أنها ناتجة عن نشاط واحد وهو تبديد الحرارة الناتجة عن ملايين الخوادم التي تعالج بيانات الذكاء الاصطناعي.
وحتى مع أنظمة التبريد المتقدمة سواء الهوائية أو السائلة يطلق جزء كبير من الطاقة المستهلكة كحرارة إلى البيئة المحيطة.
ومع الانتشار السريع لمراكز البيانات بسبب طلب الذكاء الاصطناعي المتزايد على التدريب والاستدلال، أصبح هذا التأثير ملحوظا عالميا.
وتشير الدراسة إلى أن أكثر من 340 مليون شخص وفقا لبيانات السكان من” وورلد بوب” قد يتأثرون بهذه الزيادة في درجات الحرارة.
وفي مناطق مثل وادي بايو في المكسيك، الذي أصبح مركزا لمراكز البيانات، سُجلت ارتفاعات غير مبررة سابقا تصل إلى 3.6 درجات فهرنهايت.
وفي مناطق أخرى في إسبانيا والبرازيل، أظهرت النتائج اتساقا مماثلا.
وهذه الزيادات، وإن بدت صغيرة، يمكن أن تؤدي إلى تغييرات في المناخ الميكروي المحلي، مما يزيد من مخاطر الإجهاد الحراري، ويؤثر على الزراعة والمياه والصحة العامة.
يقول مارينوني في تعليقاته ” لا تزال هناك فجوات كبيرة في فهمنا لتأثيرات مراكز البيانات، حتى مع ازدهارها السريع”.
ويؤكد الباحثون في الدراسة “نتائجنا تظهر أن تأثير جزيرة الحرارة البياناتية قد يكون له تأثير ملحوظ على المجتمعات والرفاهية الإقليمية في المستقبل، لذا يجب أن يصبح جزءا من الحوار حول الذكاء الاصطناعي المستدام بيئيا”.
وجاءت نتائج هذا البحث في وقت يشهد فيه قطاع مراكز البيانات نموا هائلا.
وبحسب تقارير متعددة فانه من المتوقع أن يتضاعف عدد هذه المنشآت عدة مرات بحلول عام 2030 لتلبية احتياجات نماذج الذكاء الاصطناعي الكبيرة.
وتستهلك هذه المراكز كميات هائلة من الكهرباء أحيانا تعادل استهلاك مدن بأكملها ومعظم هذه الطاقة يتحول إلى حرارة.
وعلى الرغم من الجهود لتحسين الكفاءة، مثل استخدام المياه أو الهواء البارد أو حتى إعادة استخدام الحرارة، إلا أن التوسع السريع يعني أن التأثير التراكمي يتزايد.
ومن الناحية البيئية، يضيف “تأثير جزيرة الحرارة البياناتية” طبقة إضافية إلى الاحترار العالمي.
فبينما يساهم قطاع الذكاء الاصطناعي بالفعل في انبعاثات الكربون من خلال استهلاك الطاقة، فإن الحرارة المباشرة المطلقة تؤثر محلياً على المناخ.
وقد يؤدي ذلك إلى زيادة الطلب على أنظمة التبريد، مما يخلق حلقة مفرغة من الاستهلاك الأعلى للطاقة.
كما أن المناطق النامية التي تجذب مراكز البيانات بسبب تكاليف الأرض المنخفضة والطاقة الرخيصة قد تواجه مخاطر أكبر على سكانها، بما في ذلك تأثيرات على الزراعة والصحة العامة.
ورغم أهمية النتائج، يؤكد الباحثون أن الدراسة مسودة غير خاضعة لمراجعة الأقران بعد، وهناك حاجة لمزيد من التحقق.
في المستقبل، يدعو الباحثون إلى دمج هذا التأثير في تخطيط مراكز البيانات: اختيار مواقع أكثر ملاءمة، تطوير تقنيات تبريد أكثر كفاءة، وإعادة استخدام الحرارة المهدرة لأغراض أخرى مثل تسخين المباني أو الزراعة المائية.