السموم الكيميائية وأزمة المناخ يهددان الخصوبة عبر الانواع
سوسنة
مع استمرار إنتاج آلاف المواد الكيميائية الجديدة سنويا دون اختبار كاف تواجه البشرية تحديات مضاعفة تتجاوز مجرد كونها مشاكل بيئية.
في مؤشر جديد على التدهور البيئي الخطير الذي يواجهه الكوكب، كشفت دراسة حديثة أن الملوثات الصناعية المنتشرة في الهواء والماء والطعام، مع اضافة أزمة المناخ إليها، باتت تشكل تهديدا مباشرا على الخصوبة البشرية والتنوع البيولوجي.
ونشرت مجلة “الملوثات الناشئة” التابعة لـ”سبرينغر نيتشر” مؤخرا، دراسة شاملة تحذر من أن التأثير المشترك بين المواد الكيميائية المضطربة للهرمونات وارتفاع درجات الحرارة الناتج عن تغير المناخ قد يؤدي إلى انخفاض حاد في معدلات الإنجاب عبر معظم الكائنات الحية، بما في ذلك الإنسان، مع بعض الاثار التي تنتقل إلى الأجيال المقبلة.
تقول الباحثة الرئيسية سوزان براندر وهي أستاذة مساعدة في جامعة ولاية أوريغون تعقيبا على نتائج هذه الدراسة” أنت لا تتعرض لعامل ضغط واحد فقط، بل لاثنين في الوقت نفسه، وكلاهما يؤثر على الخصوبة، مما يجعل التأثير الكلي أسوأ”.
وأجرت الدراسة مراجعة شاملة لـ 177 بحثا علميا سابقا، شملت كائنات حية متنوعة من اللافقاريات والأسماك والطيور والزواحف والثدييات وصولا إلى الإنسان.
واستُخلصت المعلومات من 163 دراسة تضمنت مقارنات غير متكررة لتأثيرات اثنين على الأقل من الفئات الخمس المحددة مسبقا للعوامل المباشرة على التنوع البيولوجي، وهي: تغير المناخ، وتغير استخدام الأراضي/البحار، والاستغلال المباشر للموارد الطبيعية، والتلوث، والأنواع الغازية الدخيلة.
و حولت البيانات من كل تقييم متعدد العوامل إلى مقارنة ثنائية واحدة أو أكثر غير متكررة بين هذه العوامل، واستُخدمت طريقة إعادة التوزيع العشوائي لاختبار فيما إذا كانت أزواج العوامل تختلف اختلافًا كبيرًا في تأثيرها.
وتُظهر الأدلة أن المواد الكيميائية المسببة لاضطراب الغدد الصماء، مثل الفثالات و البيسفينول والمواد البرفلورية ، بالإضافة إلى الميكرو بلاستيك، تتداخل مع الهرمونات حتى بتركيزات منخفضة جدا.
وهذه المواد تقلل من جودة السائل المنوي، وتغير تطور الأعضاء التناسلية، وتسبب تغيرات في التمييز الجنسي.
أما تغير المناخ فيضيف طبقة أخرى من الضرر من خلال ارتفاع درجات الحرارة، وانخفاض مستويات الأكسجين في المياه، والإجهاد الحراري الذي يؤثر على إنتاج الحيوانات المنوية وعلى آليات تحديد الجنس في الأسماك والزواحف.
وتذكر الدراسة أن أبحاثا سابقة، من بينها عمل الباحثة شانا سوان المشاركة في الورقة الجديدة، أشارت إلى انخفاض بنسبة تزيد عن 50% في مستويات الحيوانات المنوية لدى الرجال في الدول الغربية على مدى أربعة عقود.
واليوم، يتجه العالم نحو “مستقبل منخفض الخصوبة”، حيث من المتوقع أن يقع أكثر من ثلاثة أرباع الدول تحت معدل الإحلال السكاني بحلول عام 2050.
لكن الخطر لا يقتصر على البشر.
ففي القواقع البحرية، أدى مركب التيربيوتيل تين إلى ظاهرة “الإمبوسيكس” (تذكير الإناث)، مما هدد بانهيار بعض الجماعات السكانية.
أما في الأسماك والبرمائيات والزواحف، فيؤدي ارتفاع درجة الحرارة مع الملوثات إلى اختلال نسب الجنسين.
وفي الطيور والثدييات البحرية، تراكمت المواد العضوية الثابتة لتسبب تشوهات في الأعضاء التناسلية وانخفاض معدلات البقاء على قيد الحياة للصغار.
والأكثر إثارة للقلق هو أن بعض هذه التأثيرات متعددة الأجيال؛ إذ تستمر عبر الأحفاد حتى لو لم يتعرضوا للملوثات مباشرة، من خلال تغييرات جينية.
وتؤكد الدراسة أن التأثيرات غالبا ما تكون إضافية أو تآزرية عند التعرض المشترك، رغم أن الأبحاث المباشرة حول هذا التفاعل لا تزال محدودة.
تقول براندر “هناك أدلة كافية في كلا المجالين للتحرك من أجل تقليل تأثيرنا على الكوكب”.
وتشير الدراسة إلى نجاحات سابقة مثل حظر مركبات معينة وتدعو إلى تنظيم أوسع لفئات الكيماويات بأكملها وليس المركبات الفردية، بالإضافة إلى دعم معاهدة البلاستيك العالمية.
ويطالب العلماء بنهج “صحة كوكبية” شامل يربط بين تنظيم الملوثات، ومكافحة التغير المناخي، وحماية الخصوبة كجزء من الصحة العامة.