بيئة منهكة في غزة بسبب الحرب الإسرائيلية
سوسنة، آية عماد الدين
يوما بعد آخر، يتبين أن البيئة في قطاع غزة وصلت إلى مرحلة حرجة من الإنهاك بسبب الحرب الإسرائيلية على القطاع.
فمنذ الإعلان عن وقف إطلاق النار “الظاهري” في قطاع غزة في شهر كانون الثاني من العام الماضي، بدأت الصورة تتجلى بشكل أوضح عن حجم الدمار الذي لحق بالبيئة بسبب الحرب.
ومع مباشرة الطواقم المختصة بحصر الأضرار، بدأت الأرقام الصادمة تظهر إلى العلن وبشكل أكثر دقة.
ومع ذلك، بدأت بالفعل الجهود لترميم هذه البيئة، ولو بشكل طفيف.
تظهر مقاطع مصورة، تبث إما عبر وسائل التواصل الاجتماعي أو القنوات الرسمية، دمارا كبيرا في البيئة.
وبحسب بيان مشترك بين الجهاز المركزي للإحصاء الفلسطيني وسلطة جودة البيئة بمناسبة يوم البيئة العالمي، فقد تراكم نحو 710 آلاف طن من النفايات المنزلية، وأكثر من 60 مليون طن من الركام الناتج عن تدمير ما يزيد على 330 ألف وحدة سكنية.
وادت سنوات الحرب الى انهيار شبه كامل لمنظومة جمع النفايات وتدمير 90% من معدات البلديات، بسبب القصف الاسرائيلي العنيف الذي شهده القطاع طيلة عامين.
وقد أدى هذا الدمار إلى انتشار التلوث والأمراض، وتفاقم الأزمة البيئية، وتعقيد جهود التعافي.
وعلى صعيد الأراضي الزراعية، أظهر تقرير حديث لمركز الأمم المتحدة للأقمار الصناعية (UNOSAT) حتى نهاية حزيران 2025، أن العدوان الإسرائيلي تسبب في تدمير واسع للقطاع الزراعي في غزة، حيث دمر نحو 86% من الأراضي الزراعية نتيجة القصف والتجريف وتحرك الآليات العسكرية.
وقد ارتفعت نسبة التدمير في شمال غزة إلى 94%، ويعكس هذا الانهيار السريع والمتواصل للقطاع الزراعي تهديدا مباشرا وخطيرا للأمن الغذائي لأكثر من مليوني نسمة في القطاع.
وفي زاوية أكثر فتكا وخطورة على البيئة، ذكر البيان المشترك أن الانبعاثات الكربونية وصلت بفعل الحرب إلى حوالي 33.2 مليون طن من مكافئ ثاني أكسيد الكربون.
ويعادل هذا الرقم الانبعاثات الصادرة عن نحو 7.6 مليون مركبة تسير في الشوارع خلال عام كامل.
لكن الحقيقة أن هذا الرقم الذي يمثل “البصمة الكربونية للقطاع”هو نتاج الحرب الإسرائيلية المدمرة التي شنت ضد قطاع غزة؛ وهي كمية ضخمة جدا تكافئ الانبعاثات الكربونية لدول كاملة خلال عام كامل، مما يعمق التدهور البيئي الحاد الذي لحق بكافة مناحي الحياة هناك.
يذكر أن مكافئ ثاني أكسيد الكربون هو مقياس يسمح بمقارنة الكمية المنبعثة من غازات الاحتباس الحراري بقدرة هذه الانبعاثات على إحداث احترار عالمي.
واليوم، يعيش المواطنون في دوامة من التلوث البيئي في كافة المناطق المكتظة بالسكان، خاصة بعد سيطرة الاحتلال على حوالي 60% من مساحة القطاع الجغرافية، وحصر المواطنين في ما تبقى من مساحته؛ حيث أتت الآلة العسكرية الإسرائيلية تقريبا على كافة المناطق الجغرافية بتفاوت في حجم الاستهداف.
وخلال سنوات الحرب، انبعثت الغازات الكربونية إما من القصف وتشغيل الآليات العسكرية الثقيلة، أو من شاحنات المساعدات التي سمحت إسرائيل بدخولها إلى القطاع.
وفقا لدراسة نشرت على الموقع الإلكتروني لصحيفة “الغارديان” قبل عام، غطت الأشهر الخمسة عشر الأولى من الحرب، تبين أن البصمة الكربونية للقطاع تجاوزت الانبعاثات السنوية المسببة للاحتباس الحراري لمئة دولة منفردة، مما يؤدي إلى تفاقم حالة الطوارئ المناخية العالمية، فضلا عن الكلفة البشرية الهائلة والعدد الكبير من الضحايا المدنيين.
كما كشفت الدراسة أن التكلفة المناخية طويلة الأجل لإعادة إعمار غزة وتطهيرها قد تتجاوز 31 مليون طن من مكافئ ثاني أكسيد الكربون، وهو ما يفوق إجمالي انبعاثات غازات الاحتباس الحراري السنوية لعام 2023 الصادرة عن دول مثل كوستاريكا وإستونيا معا.
ورغم ذلك، لا يوجد أي التزام دولي يجبر الدول على الإبلاغ عن الانبعاثات العسكرية لهيئة الأمم المتحدة المعنية بتغير المناخ.
إن القصف والحصار المتواصلين، ورفض إسرائيل الامتثال لأحكام المحكمة الدولية، قد أبرزا حجم التدمير غير المسبوق لآلة الحرب، فضلا عن الدعم العسكري واللوجستي الذي تلقته من بعض الدول.
ولتقريب حجم الكارثة، فإن الانبعاثات الكربونية الناجمة عن الحرب تحتاج إلى غابات بمساحة 133 ألف كيلومتر مربع لامتصاصها خلال عام واحد.
وفي العشرين من شهر مارس العام الجاري، نشر موقع (ScienceDirect) ورقة بحثية عن حجم الانبعاثات الكربونية في القطاع بسبب الحرب، أشارت إلى أنه تم ضخ ما بين 24 و72 مليون لتر من الوقود إلى غزة للاستخدام العسكري بين نوفمبر/تشرين الثاني 2023 ووقف إطلاق النار في يناير/كانون الثاني 2025، مما أسفر عن انبعاثات كربونية تعادل 129,820 طنا من ثاني أكسيد الكربون.