الشـوك الحليبي… نبتة بأسماء كثيرة وحكاية واحدة
سوسنة، خالد أبـو علـي
على أطراف الحقول والجبال الفلسطينية، حيث تلامس الريح أعشاب الربيع، يقف الشوك الحليبي شامخا، كنبات أصيل، كأنه جندي قديم لا يتعب من الحراسة ، و كحكاية قديمة تحفظها الأرض وتهمس بها الأجيال.
أوراقه الخضراء الموشّاة بخيوط بيضاء تحمل أثر رواية روحية عميقة ، تبدو كنقشٍ طبيعي، مثل قطرات حليب انسكبت برفق على سطح النبات وكأنها لوحة رسمتها الطبيعة بعناية، فحمل اسمه: الشوك الحليبي، أو كما يُعرف أيضا بـ ” شوك مريم ” (St. Mary’s Thistle).
تلك العروق البيضاء التي تزين أوراقه الخضراء، وكأن الطبيعة أرادت أن تترك علامة لا تمحى، تثير التساؤل وتفتح باب التأمل.
هي نبتة باسماء كثيرة… وحكاية واحدة.
والشوك الحليبي: هو الاسم العربي الشائع للنبات Milk Thistle هو الاسم الإنجليزي المتداول Silybum marianum هو الاسم العلمي (اللاتيني) المعتمد عالميًا في التصنيف النباتي.
ومن الأسماء المتداولة له ايضا، السَّلْبِينُ المَرْيَمِيُّ أو خُرْفَيْشُ الجِمَالِ أو شَوْكُ الدِّمَنِ أو شوكة مريم ويسمى كذلك حليب الشوك أو الحَرْشَفُ البَرِّيُّ أو الكعيب أو يسمى بالعراقي العاكول أو الكلغان.
ويُسمى في تونس البُكّ (الواحدة: بُكَّة)، وفي ليبيا يسمى أرقيطة الحنش بسبب التشابه البصري حيث أن جلد الثعبان مرقط مثل أوراق هذا النبات.
جمالٌ يختبئ خلف الأشواك لا يقترب منه الإنسان بسهولة، فالأشواك تحيط به كدرع واق، لكنها ليست قسوة بقدر ما هي حكمة الطبيعة: أن الجمال الحقيقي يحتاج بعض الحذر.
وحين تزهر قمته، تتفتح زهرة بنفسجية نابضة بالحياة، كأنها شعلة صغيرة في قلب البرية، تهمس: “أنا هنا… رغم كل شيء”.
أسطورة من نور تروي الحكاية في التراث المسيحي أن هذه البقع البيضاء تعود إلى السيدة مريم العذراء، حين أرضعت الطفل السيد المسيح خلال رحلة العائلة المقدسة.
ويُقال إن قطرات من الحليب سقطت على أوراق هذا النبات، فبقي أثرها شاهدا حتى اليوم.
الشوك الحليبي ، سواء كانت الحكاية أسطورة أم رمزا، فإنها تضفي على هذا الشوك البري بعدا إنسانيا وروحيا عميقا الذي أصبح جزءا من ذاكرة ثقافية، حيث تتداخل الطبيعة بالإيمان، والعلم بالحكاية.
هكذا، يقف الشوك الحليبي في الحقول: شوكا في ظاهره، لكنه يحمل في داخله قصة صبر وجمال، وقصيدة مكتوبة بلغة الأرض، ويعلمنا أن القسوة الظاهرة قد تخفي قلبًا نقيًا، وأن ما نحسبه عائقا قد يكون في الحقيقة حمايةً لما هو أثمن.
*خالد أبو علي، هو باحث وناشط بيئي فلسطيني يقيم بين مدينتي رام الله وجنين، ويعتبر أيضا خبيرا في التخطيط الاستراتيجي والطاقة الخضراء وله إسهامات متعددة في تنظيم النشاطات الخضراء
