“مكحلة الغول”.. تقويم الفلسطينيين لقدوم الخريف
الحارث يوسف
كان الفلاحون الفلسطينيون قديما يعتمدون على شواهد موروثة بينهم، تدلّهم على اقتراب موعد فصل الخريف، الذي تنخفض فيه درجات الحرارة مقارنة بالصيف الذي يسبقه.
من بين تلك الشواهد “مكحلة الغول”، التي لا تتعدى دورة حياتها الأسبوع.
لكن خلال هذه المدة، تعطي النبتة منظرا جميلا يستهوي الباحثين وهواة التصوير.
في يرزا شرق طوباس شمال الضفة الغربية، ظهرت النبتة بمنظر ورقة عريضة مائلة إلى الجانب، يتوسطها عمود نباتي، كواحدة من مكونات التنوع البيئي الذي يزيّن المنطقة.
استطاعت إحدى عضوات جمعية الحياة البرية في فلسطين توثيق النبتة قبل أيام في المنطقة، ونشرها عبر وسائل التواصل الاجتماعي.
تتبع هذه النبتة الفصيلة اللوفية، وتتميز بكونها نبتة أرضية ذات درنات صغيرة.
تنمو النبتة بعد أن تخرج الأزهار، غالبا، على مستوى سطح الأرض مباشرة، قبل ظهور الأوراق، أو تظهر الأوراق لاحقا، وتتكون النبتة من قنابة تحيط بتركيز زهري عمودي أو مسلّة.
يقول المدير التنفيذي لجمعية الحياة البرية في فلسطين، عماد الأطرش، إن النبتة تنمو قبل هطول المطر.
وتفسير الأطرش يربط بين اعتماد الفلاحين عليها وتقويمهم السنوي، إذ إن الحرارة تنخفض في الخريف.
وقال الرجل “تنمو النبتة بعد الشعور بانخفاض درجات الحرارة”.
يُعدّ حوض البحر المتوسط البيئة المحببة لانتشار هذا النوع من النباتات، وصولا إلى منطقة الشرق الأوسط.
بينما تُوثق أنواع منه في مناطق تمتد من تركيا وإيران وصولا إلى أجزاء من جنوب أوروبا، مثل اليونان.
تنمو النبتة عادة في التربة المفككة أو الحجرية ذات الصرف الجيد، وتتكاثر بعد أن تطلق روائح قوية ومميزة لجذب الحشرات الملقحة، مثل الذباب القمام أو الحشرات المرتبطة بالتحلل، نظرا لطبيعة أزهارها الأرضية.
أما في الصيف الحار، فتتحمل فترة السكون الجافة على شكل درنات تحت الأرض، قبل أن تنشط قبل بدء موسم الأمطار.
أبقتها هذه الميزة حتى اللحظة ضمن فئات الأمان النسبي، أو ضمن الأنواع القريبة من التهديد أو ذات الاهتمام الحفظي، نظرا لانحسار مواطنها الطبيعية نتيجة التوسع العمراني والزراعي.
وتقيّم الدراسات البيئية وتقييمات القوائم الحمراء المحلية، مثل القوائم الوطنية للأنواع النباتية في فلسطين والمنطقة، العديد من النباتات البرية المعمرة ذات التوزيع المحدود أو الحساسة للتغيرات البيئية.
عالميا، لا تُظهر القوائم العالمية تقييما موحدا لكل أنواعها بشكل دقيق ومفصل أحيانا، نظرا لطبيعتها الموسمية ونطاقات انتشارها المتباينة، ومنها العديد من أنواع جنس البياروم والنباتات اللوفية البرية، لكنها بشكل عام تُعتبر ضمن الأنواع البرية التي تتأثر محليا بتغيرات استخدام الإنسان للبيئة والرعي الجائر.
أمكن تسجيل النبتة في عدة مناطق جغرافية في فلسطين.
ويقول الأطرش إن النبتة وُثقت بكثرة على سفوح الجبال المرتفعة والتلال في السلسلة الجبلية الوسطى، مثل مرتفعات القدس ورام الله وبيت لحم ونابلس.
وفي المناطق الحجرية والصخرية، تنمو غالبا بين الصخور والمناطق الحجرية، وتحت ظلال الأشجار الحرجية، وفي التربة الرملية أو البنية العميقة نسبيا بين الصخور الكارستية.
وقال الأطرش، إن النبتة جزء من الغطاء النباتي الطبيعي في الغابات المتوسطية المفتوحة، ومناطق العشب البري، وأطراف الأراضي الزراعية البعلية، والتّرب القديمة، وهي من الأنواع النباتية البرية الفريدة.
تزهر هذه النبتة عادة في أواخر فصل الخريف، من شهر تشرين الأول/أكتوبر إلى تشرين الثاني/نوفمبر.
وتتميز معظم أنواع جنس البياروم، ومنها هذا النوع، بأن الأزهار، القنابة والمسلة، تخرج مباشرة من الدرنات المخفية تحت الأرض، على سطح التربة وهي جافة، وتظهر قبل الأوراق تماما. أما الأوراق الخضراء فتتطور وتنمو لاحقا خلال الشتاء، في تشرين الثاني وكانون الأول، بعد إتمام مرحلة الإزهار والتلقيح.
ينتشر هذا النوع وأنواعه القريبة في إقليم شرقي البحر المتوسط ومنطقة الشرق الأوسط، بالإضافة إلى فلسطين وتركيا وسوريا ولبنان ومنطقة الجولان المحتلة وجوارها.
وتعتمد النبتة في عملية التلقيح على جذب حشرات القمامة أو الحشرات المحبة للمواد المتحللة، مثل بعض أنواع الخنافس والذباب، عن طريق إطلاق روائح قوية تشبه رائحة المواد العضوية المتحللة أو اللحم الفاسد أثناء فترة التزهير.