الاحتلال يغلق الأفق أمام السياحة البيئية في فلسطين
سوسنة، آية عماد الدين
وجدت غادة حسين من قرية الرينة قضاء الناصرة نفسها أمام جغرافيا ضيقة، لتنظيم المسارات البيئية مقارنة بالأعوام الماضية بين مناطق عام 1948 والضفة الغربية.
كانت حسين والتي تعمل مرشدة سياحية، وموجهة مجموعات، واحدة من الذين تخصصوا في تنظيم المسارات البيئية في المناطق المختلفة من أراضي عام 1948، وأخرى في الضفة الغربية.
تقول إنه خلال العامين الماضيين، تراجع نشاط هذا النوع من السياحة بنسبة كبيرة.
في الواقع، كان الوضع في الضفة الغربية أكثر تضررا، فبينما كانت الأمور هكذا في أراضي عام 48، توقفت السياحة البيئية بشكل شبه كامل في منطقة الأغوار وهي واحدة من النقاط التي كانت تجذب المواطنين الفلسطينيين خاصة في فصل الربيع.
تنامت فكرة السياحة البيئية، والمسارات البيئية والسياحية في السنوات الأخيرة حتى أصبحت أكثر تنظيما ولم تعد فعلا فرديا.
لكن منذ عامين تقريبا تراجعت لمستوى متدن جدا.
هناك أسباب حقيقية أدت إلى تراجع النشاط السياحي بشكل شبه تام في المناطق المفتوحة في الضفة الغربية، لكن تبقى الإجراءات الإسرائيلية هي الأكثر تأثيرا في ذلك.
فبدءا من التوتر الأمني الذي تشهده محافظات الضفة الغربية، مرورا بانتشار مئات الحواجز والبوابات العسكرية الاسرائيلية، وصولا إلى انتشار مجموعات المستوطنين ذات الطابع العنيف تجاه الفلسطينيين، كلها كانت أسباب متراكمة ساهمت في تراجع كبير في نشاط السياحة البيئية.
يمكن فعليا تلمس هذا التراجع في مستوى السياحة البيئية من شهادات حية لأشخاص أمضوا سنوات في تنظيم المسارات البيئية في مناطق محميات طبيعية، وجبلية، ومواقع أثرية.
لكن، رغم ذلك ما زال هناك نشاط بسيط للسياحة البيئية في الضفة الغربية منتشرا في مناطق تعتبر آمنة نسبيا.
صبيحة يوم التاسع من نيسان/ أبريل، كانت حسين في جولة سياحية خاصة مع مجموعة من الأصدقاء في منطقة جميلة في قريتها الرينة.
“لا يعني هذا أنها مسار سياحي، لا يوجد اليوم مسارات بيئية منظمة إلا بعدد قليل جدا”.قالت لــ”سوسنة”.
حتى قبل عامين ونصف على أقل تقدير، كانت ما تزال بعض المجموعات من المشائين ومحبي اكتشاف الطبيعية تستطيع الوصول إلى مناطق بعيدة عن مراكز المدن، لكن أصبح الوصول إليها هذه الأيام محفوفا بالمخاطر الحقيقية على سلامة المشاركين.
أدى انتشار نحو ألف حاجز وبوابة عسكرية في الضفة الغربية، والتي من خلالها عزلت إسرائيل المحافظات الفلسطينية إلى شل حركة المشائين المشاركين في هذه المسارات السياحية.
إن انتشار هذا النوع للسياحة تركز في الأماكن الأثرية، والطبيعية، والمسارات البيئية التي سجلت بكثرة في الجبال والسهول المترامية.
غير أن الاجراءات الامنية الاسرائيلية على أرض الواقع في الضفة الغربية قد تسبب في حصرها في مناطق صارت أقرب من مراكز المدن.
تقول حسين “قبل عام نظمنا آخر مسار في الضفة الغربية(..)، اليوم صار الأمر مستحيلا”.
ما زاد الأمور سوءا، هو اندلاع الحرب الإسرائيلية الامريكية ضد إيران. وبسبب هذه الحرب، أغلق الاحتلال معظم المناطق، وشدد الإجراءات العسكرية على الحواجز العسكرية والبوابات الحديدية التي زاد عددها مؤخرا.
وصل عدد المسارات السياحية في الضفة الغربية، حسب كتاب دليل المسارات السياحية (فلسطين: لوحة فسيفسائية جميلة) الصادر على موقع “محميات”، 33 مسارا بيئيا مقسمة إلى مسارات عبر المحميات، ومواقع مهمة، ومواقع تراثية.
قالت حسين، في السنوات الماضية وصلنا لعدد لا بأس من المسارات في مناطق مختلفة للتنزه.
في ورقة تعريفية نشرت على مركز المعلومات الفلسطيني، التابع لوكالة الأنباء الفلسطينية الرسمية”وفا” أن مفهوم “السياحة البيئية” حديث نسبيا في دولة فلسطين؛ إلا أن فلسطين تعد مقصدا سياحيا لاحتوائها الكثير من المقدسات الدينية والمواقع التاريخية والأثرية.
وأضافت الورقة، إن التنوع الجغرافي والمناخي في فلسطين يفتح الآفاق لتوسيع دائرة السياحة وارتباطها بالبيئة؛ ليمكنها من استغلال هذه الثروة الدفينة، في ظل الرغبة الجامحة لزوار فلسطين بالتعرف على نظامها البيئي وطبيعتها الخلابة التي تساند مواقعها التاريخية الأثرية والدينية، لدرجة أن السياحة البيئية بدأت تفرض نفسها على أجندة السائح؛
وتشير الورقة التعريفية أنه بالرغم من صغر مساحة فلسطين فالتنوع البيئي فيها مثير للانتباه؛ إذ تحوي أكثر من 2720 فصيلة نباتية؛ ويعيش بها ويمر منها أكثر من 520 فصيلة طيور، حيث يمر جزء كبير من الطيور المهاجرة بين أوروبا وأفريقيا عبر “جسور” برية في جنوبها ووسطها؛ إضافة إلى أن أكثر من 70 فصيلة من الثدييات وآلاف الحشرات والزواحف والبرمائيات تستوطن هذه البقعة، وتجد فيها ما يشجعها على العيش والتكاثر.
خلال العامين الماضيين فقد الفلسطينيون ورواد السياحة فيها عدة أماكن سياحية في مناطق الأغوار الشمالية، والتي كانت تستقطب سنوياً آلاف الزوار من السياح والمشائين.
على مقربة من مجرى نهر الأردن، كانت عين الساكوت في الأغوار الشمالية، والتي ما تزال حتى اليوم مياهها تجري، واحدة من الأماكن السياحية التي كانت مقصدا للسياح، إلا أن انتشار مجموعات المستوطنين عندها والسيطرة عليها جعلها خارج حسابات الفلسطينيين للتنزه.
ومن المناطق التي كان الفلسطينيون يقصدونها في أوقات السياحة كانت عين الحمة وهي قرب قريتي بردلة وعين البيضاء بالأغوار الشمالية، كما أن وادي الفاو أيضا هو صدع صخري شاهق كان مقصدا لهواة التصوير والباحثين خلال السنوات الماضية.
وفي واحدة من أشهر المناطق الطبيعية الملهمة لقطاع السياحة، اشتهرت عين العوجا شمال أريحا بطابع سياحي خلاب، جعلها في العقود الماضية مكانا نشطت فيه هذا النوع من السياحة.
أصبحت كل هذه الأماكن الجميلة، بعيدة كل البعد عن الفلسطينيين بعد ان استولى عليها المستوطنون.
في الورقة التي نشرت على مركز المعلومات الفلسطيني، أشارت إلى أن المعيقات التي تقف أمام السياحة البيئية، يمكن اختصارها بسيطرة الاحتلال على الأراضي الفلسطينية، وخاصة المناطق المصنفة (حسب “اتفاق أوسلو”) (ج)؛ ما يعيق الاستثمار في القطاع السياحي بشكل عام؛ والريفي بشكل خاص.
وقالت حسين، إن الاحتلال يعيق تطور هذا النوع من السياحة من خلال الإجراءات الأمنية، التي تضاعف تكلفة المسارات البيئية.
وأضافت الورقة أن الدعاية الإسرائيلية المضادة ضد السياحة الفلسطينية؛ والتي تقوم على تسريب معلومات مضللة للسياح من أول دخولهم نقاط العبور الإسرائيلية، من خلال تخويفهم وتحذيرهم من دخول الأراضي الفلسطينية.