ما الذي يخبرنا به التنوع الحيوي في فلسطين عن العالم ؟
سوسنة، جميل ضبابات
في محيط الحي الذي نسكن فيه قرب بلدة طوباس بالضفة الغربية والواقع على قمة تلة عند بداية الانحدار الجبلي نحو الشرق المنخفض شمال شرق الضفة الغربية، تتجلى هذه الأيام “قطعة صغيرة من الجنة”.
بساط من ألوان الزهور يغطي الأرض، تتخلله بعض الحيوانات البرية غير المألوفة في المدن، وبعضها لا يرى إلا في الصور التي تظهر بين الحين والآخر، وطيور طنانة صغيرة الحجم مثل عصفور الشمس الفلسطيني تزاحم النحل على رشف رحيق الأزهار.
في أواخر الشتاء وبداية الربيع، ينتشر الصبية المتحمسون لجمع زهور شقائق النعمان والتوليب البري من سفوح الجبال.
يتم جمع هذه الزهور ليس لهدف معين، لكن البعض يقطعها أثناء البحث عن نباتات مثل العكوب وبعض الأعشاب العطرية التي تختلف استخداماتها المنزلية من عائلة فلسطينية إلى أخرى.
غالباً ما لا يلاحظون – كما ألاحظ أنا – نشاط الثعلب الأحمر الذي يبدأ يومه باكرا، ثم لا يلبث أن يختفي سريعا بين تفاصيل الطبيعة.
انه حيوان محترف وذكي في الاختباء بين الصخور، يختار أوقات الصباح الباكر أو نهاية النهار عند غياب الشمس ليتحرك، حين يخف نشاط الصبية والرعاة.
ان نشاطه وتواجده في منطقة بدأ يزحف اليها العمران يبعث الأمل بأن الطبيعة الفلسطينية، رغم محدودية مساحتها، تتسع لكثير من الكائنات الحية دون تزاحم شديد.
بالنسبة للكثيرين، يُعد هذا الثعلب وغيره من الحيوانات والنباتات جزءا جميلا من المشهد البيولوجي في فلسطين.
لكن هناك حقيقة علمية أعمق، وهي أن هذا المشهد جزء مهم من التنوع الحيوي العالمي.
رغم أن مساحة فلسطين التاريخية تبلغ نحو 27,000 كم² (أقل من 0.02% من مساحة اليابسة العالمية البالغة 148 مليون كم²)، فإنها تتميز بتنوع حيوي فريد مقارنة بدول أكبر مساحة.
هذا التنوع يظهر أحيانا في بضعة أمتار مربعة حول حينا الذي تحيط به المناطق البرية، حيث تتزاحم سيقان أنواع نباتية متعددة لتشكل مشهدا حيويا غنيا.
وفقا لبيانات جهاز الإحصاء الفلسطيني المركزي وتقارير التنوع البيولوجي المحلية، يبلغ عدد الكائنات الحية المسجلة في فلسطين نحو 51,000 نوع (نباتات وحيوانات)، أي حوالي 3% من التنوع البيولوجي العالمي.
منها نحو 30,900 نوع حيواني: 30,000 لافقاري، 373 طائرا، 297 سمكة، 92 ثدييا، 82 زاحفا، و5 برمائيات.
أما النباتات فتصل إلى نحو 2,850 نوعًا موزعة على 138 عائلة نباتية (في فلسطين التاريخية)، ونحو 2,076 نوعا في الضفة الغربية وقطاع غزة.
مع تطور الأبحاث البيئية، تستمر الزيادة في عدد الأنواع المسجلة.
يتجلى هذا التنوع في كل المناطق الجغرافية الفلسطينية.
في منطقتنا، يأتي الربيع مبكرا بفضل اعتدال درجات الحرارة في المناطق المنخفضة، فيصبغ الجبال بألوان متباينة تحول سفوح الجبال كما الأرض المنبسطة إلى حقول زهور.
هذا الغنى دفع مراكز الأبحاث المحلية إلى توسيع عمليات التوثيق والأبحاث العلمية.
تكتسب بعض أنواع النباتات والحيوانات أهمية كبيرة شعبيا وبحثيا.
بعض الحيوانات تحمل سمعة جيدة، لكنها لا تنجو من الملاحقة. غزال الجبل، على سبيل المثال، يُطارد للاستفادة من لحمه، ويُلاحق بأضواء السيارات في قمم الجبال صيفا. خلال العقدين الأخيرين دق البيئيون والمدافعون عن البيئة ناقوس الخطر من احتمال انقراضه.
تغير بعض الحيوانات خارطة تواجدها لظروف مختلفة، ففي أحد الايام، ظهر خنزير بري ذات يوم قرب حينا ثم اختفى، وربما وصل عبر تغيرات بيئية متسارعة تحدث في الضفة الغربية.
وقد تفقد حيوانات اخرى حياتها لأنها مكروهة فقط.
فقدت منطقتنا فردا من أكبر الطيور الجارحة عندما اصطاد بعض السكان بومة نسارية وظنوا أنها تجلب الشؤم، فعلقوها على عمود كهرباء حتى ماتت.
ظلت معلقة أسابيع، ولم أر بعد ذلك بوما كبيرا، لكن “أم قويق” (البومة الصغيرة) لا تزال تظهر أحيانا في الجبال.
في منطقة الغور التي لا تبعد عدة كيلومترات قليلة من منزلنا ، كنت أشاهد الغزلان تركض في مجموعات صغيرة قرب مجاري المياه، لكنها تعرضت للصيد الجائر.
المنطقة ذاتها ممر هجرة رئيسي؛ يمر سنويا نحو 500 مليون طائر مهاجر بين أوروبا وإفريقيا، عبر فلسطين في الخريف والربيع.
إن فلسطين لا تحفل فقط بتنوع حيوي فريد، لكنها ايضا تحفل بقصص بيئية يشار إليها علميا منذ اواسط القرن 19 في كتب الرحالة والمستشرقين.
في السنوات الأخيرة، استقر زوج من اللقلق الأبيض في قرية فصايل قرب مدينة اريحا، وهو طائر مهاجر يمر عبر فلسطين بين سبتمبر ونوفمبر ذهابا، ومارس وأبريل إيابا.
وبعضها أصبح مقيما في المناطق الزراعية مثل هذا اللقلق.
رغم هذا الغنى، تواجه فلسطين تحديات خطيرة. دخلت نباتات غازية عدة مناطق في الضفة الغربية، مثل تلك الموثقة في دراسة حديثة نشرت في مجلة Wiley 2024-2025)، منها أنواع مثل (لبن الحمار).
التهديدات تشمل ايضا الصيد الجائر، والتجارة غير القانونية بالطيور والحيوانات البرية، اضافة الى الزحف العمراني، وتدمير الموائل، وتغير المناخ، والتلوث.
تواجه العديد من الأنواع خطر الانقراض، بما في ذلك طيور جارحة، وثدييات مثل الغزلان والنيص، وبعض النباتات الطبية.
هناك تقديرات تشير إلى أن نحو 90-413 نوعا نباتيا مهدد، وعدد من الطيور والثدييات.
رغم أن المناطق الخضراء أصبحت جيوبا صغيرة في كثير من مناطق الضفة الغربية، فإنها لا تزال تحفظ للعالم جزءا ثمينا من التنوع الحيوي.