رحلة في عالم الرخويات بفلسطين
سوسنة، الحارث يوسف
بينما كان د. وليد الباشا يقرب الملقط الحديدي، لمعاينة إحدى أنواع الحلزون في فلسطين، لاحظ شيئا غريباً يحدث.
ابتعدت الصدفة التي كانت من جنس “يوخوندروس البيضاوي” من فكي الملقط في كل مرة حاول فيها هذا الباحث التقاطها لمعاينتها.
وقال الباشا، وهو أستاذ مشارك في علم الأحياء الدقيقة والمناعة في كلية الطب وعلوم الصحة في جامعة النجاح الوطنية( مقرها نابلس/شمال الضفة الغربية) ويعمل ايضا مديرا لمركز الباشا العلمي للدراسات والأبحاث في مدينة جنين/ شمال الضفة الغربية، هناك تفسير علمي واحد لما حدث في هذه الحالة.
كانت الصدفة المحيطة بالحلزونة جافة، فخزنت شحنات ساكنة مشابهة للشحنات التي في الملقط، ما أدى إلى نفورها.
ولا يمكن تعميم هذه الحالة على عالم الحلزون، لكن ما حدث أثار دهشة الباشا، وهذه المرة الأولى التي يقع فيها مثل هذا الحدث النادر سواء في عالم الرخويات وغيرها من مكونات البيئة الفلسطينية.
يقول ” لم أمر بمثل هذه الحالة حتى مع أنواع مختلفة من الحلزونات”.
اذا، لماذا تخزن الصدفة الخارجية شحنات كهربائية ساكنة فيها، أدت فيما بعد إلى حدوث تنافر بينها وبين الملقط الحديدي؟.
يختصر الباشا الجواب مستندا الى التفسير العلمي بقوله إن تركيبة الصدفة تتكون من معادن مستوحاة من المحيط بها، تخزن فيها شحنات كهربائية ساكنة اذا ما تعرضت لدرجة حرارة مرتفعة.
هذا الصنف من الحلزون الذي كان يحاول الباشا معاينته هو واحد 42 نوعاً من الحلزونات البرية، تنتمي إلى 26 جنساً و15 عائلة في الضفة الغربية، حسب دراسة علمية عن تنوع إيكولوجيا الحلزونات البرية في الضفة الغربية (فلسطين) (نشرت عام 2018)، المبنية على مسح 135 موقعا خلال 2013-2017، تؤكد أهمية هذه الكائنات في مراقبة التغيرات البيئية.
أجرى هذه الدراسة، باحثون من متحف فلسطين للتاريخ الطبيعي/بيت لحم، وجامعات أردنية وسويسرية، وتركز على الحلزونات البرية كمؤشرات بيئية حساسة للتغيرات المناخية والاحتباس الحراري.
رغم صغر مساحة الضفة الغربية (حوالي 5655 كم²)، إلا أنها غنية بتنوع بيولوجي بسبب وجود أربع مناطق جغرافية بيولوجية قريبة من بعضها.
تقول الدراسة العلمية إن التوزيع حسب المناطق الجغرافية البيولوجية: المنطقة المتوسطية (أمطار 400-700 مم، غابات وصخور كلسية): 33 نوعاً (أعلى تنوع)، 17و نوعا حصريا.
تنتشر هذه الأصناف في كل فلسطين الطبيعية، بينما يعيش بعضها في مناطق محددة حسب الاختلاف في درجات الحرارة.
لكن حسب ما يفيد به المدير التنفيذي لجمعية الحياة البرية في فلسطين عماد الأطرش، فإن الأكثر شيوعا هما على حد وصفه (المفلطح، والمدور).
والحلزون حيوان لا فقاري ينتمي إلى شعبة الرخويات، ويُعد من الكائنات الشائعة في البيئات البرية والبحرية والعذبة.
يتحرك الحلزون بسرعة بطيئة جدا، بعد إخراج رأسه من داخل الصدفة الحامية له، ويمكن رؤيته في كل مكان، وحتى على الأسطح التي يلتصق بها بمساعدة المادة اللزجة التي يفرزها.
يقول سهيل شاهين، وهو أحد جامعي الحلزون في قرية عابود قضاء رام الله، إن جمع الحلزون موسم سريع الانتهاء في الشتاء من خلال جمعه مرة واحدة، فيما يمكن جمعه أكثر من مرة صيفا.
يكون الحلزون مع بداية الشتاء عطشانا، ومع بداية الموسم المطري يخرج من صدفته للشرب والأكل، ثم يعود داخلها.
بعد ذلك، يبدأ الحلزون بالخروج ليلا، والتقوقع داخل صدفته نهارا.
يقول شاهين، أنه مع انتهاء موسم الأمطار تخرج الحلزونات مرة أخرى لتتغذى، ثم تعود داخل قوقعتها للموسم الشتوي المقبل.
يمكن رؤية الحلزون صيفا ملتصقا في الصخور، بينما يتخذ مأوى في أجواف الصخور.
قال شاهين “في الصيف يمكن جمعه أكثر من مرة”.
ورغم سوء سمعته في الوسط الشعبي لكنه من الحيوانات التي تؤكل، ويطبخ بطرق مختلفة.
سجل في السنوات الأخيرة ظهور مزارع خاصة لتربية الحلزون في فلسطين، لاستخدامه في اعداد الطعام.
وهذه الأيام تنشط حركة بعض رواد المناطق الجبلية، وهم يجمعون عشرات الحلزونات لطهيها.
قال شاهين “عند البدء بجمعه تصبح العملية أكثر تعقيدا”.
يرى المهتمون في المجال البيئي في الحلزون عنصرا أساسيا في التوازن البيئي.
توفر الرخويات إنذارا مبكرا للتغيرات المناخية، وتحت سيناريوهات مناخية متطرفة تشير الكثير من الدراسات الى تراجع في عددها واصنافها، وفي السياق الفلسطيني يمكن ان تكون اصناف الحلزونات المختلفة مؤشرا على التغييرات البيئية المحلية.
يرى الباشا أن وجود الحلزونات مهم للجانب البيئي في فلسطين، إذ أنها تتغذى على نباتات تنمو بالقرب من نباتات ومحاصيل المواطنين.
وعلاوة على ذلك، يقول الباشا إنها مصدر غذاء لأنواع عديدة من الطيور.
إنها تدخل في دورة حياة متكاملة(..)، تأكل وتؤكل. قال الباشا.
في المناطق البرية ذات الطابع المناخي الجاف، والتي تندر فيها مصادر المياه، يعتبر الحلزون طوق نجاة لأحد أنواع الطيور التي تعيش فيها.
يقول الأطرش لــ”سوسنة”، إن صغار طائر البراق الذي ينشط في مناطق البرية الجافة، تعتمد على الحلزونات في توفير الشراب من خلال الاستفادة من المخاط الذي يكون على جسمها، علاوة على اتخاذها كمصدر للغذاء.
يتغذى بعض أصناف الكائن الصغير نسبيا بشكل عام على الأوراق النضرة حديثة النمو، فيما تتغذى أنواع أخرى على الفطريات والطحالب التي تنمو على الصخور.
وهذا تفسير منطقي بالنسبة للباشا، لوجود هذه الحلزونات بكثرة عند الصخور.
يتكاثر هذا النوع من الرخويات الذي يصل متوسط عمره لعشرة أعوام، من خلال البيوض.
يقول الأطرش: “تكون الصدفة لصغار الحلزون غير صلبة، ولذلك تتغذى عليها القطط، ويظل الأمر هكذا حتى يبلغ الحلزون عامين فتصبح الصدفية صلبة”.
تنشط حركة الحلزونات في المناطق الرطبة، فيما تدخل مرحلة السبات في الأشهر الحارة والمناطق الجافة. ولذلك يمكن رؤيتها بكثرة في أيام الشتاء، أو بالقرب من مصادر المياه، والمناطق التي تنمو فيها الأعشاب.
قال الأطرش يخرج الحلزون بسبب صوت الرعد والبرق الذي يسبب له الخوف.