هكذا اصبح الواقع البيئي في غزة بسبب الحرب
سوسنة، الحارث يوسف
يوما بعد يوم، تتضح الصورة بشكل جلي لحجم الكوارث البيئية في قطاع غزة، بسبب القصف الإسرائيلي المدمر الذي بدأ في السابع من أكتوبر/تشرين الأول عام 2023، وامتدّ بشكل مكثف لعامين كاملين.
ولم يسلم أيّ جانب من الجوانب البيئية من ذلك الدمار الذي ألحقته به آلة الحرب الإسرائيلية، في واحدة من أعنف الحروب التي شهدتها البشرية منذ نهاية الحرب العالمية الثانية.
ومع التوصل إلى اتفاق يفضي إلى وقف العدوان الإسرائيلي على المواطنين في القطاع، بدأ الناس يستشعرون بشكل فعلي حجم الكوارث البيئية التي خلّفتها الحرب.
حسب بيان صادر عن سلطة البيئة الفلسطينية يوم الخميس الفائت، لمناسبة اليوم الدولي لمنع استخدام البيئة في الحروب والصراعات العسكرية، الذي يصادف السادس من تشرين الثاني/نوفمبر من كل عام، فإن كميات الركام تقدَّر بشكل أوّلي بنحو 60 مليون طن من مخلفات الدمار، وما يقارب 100 ألف طن من المتفجرات بطاقة تدميرية تعادل تسع قنابل نووية، ما يشكل إبادة لكل مكونات البيئة ونظمها، والتي من المتوقع أن تمتد آثارها لعقود من الزمن.
وفقًا لتقييم أوّلي أجراه موئل الأمم المتحدة وبرنامج الأمم المتحدة للبيئة لتحديد كميات الأنقاض في الثامن من أكتوبر/تشرين الأول عام 2025، فقد بلغت كمية الأنقاض التي خلّفتها الحرب في قطاع غزة 50,773,496 طنًا بحلول يوم 1 كانون الأول/ديسمبر 2024، وهو ما يمثل زيادة تبلغ 17 ضعفا مجموع الأنقاض التي خلّفتها حالات تصعيد الأعمال القتالية الأخرى في غزة منذ سنة 2008.
تقول المواطنة صبرين البوجي إن قطاع غزة تحول خلال العامين الماضيين من بنيان قائم إلى أكوام من الدمار.
“في كل مكان دمار، ونفايات صلبة، وبيئة مدمرة”، أضافت الشابة.
ففي المتوسط، يوجد أكثر من 365 كيلوغراما من الأنقاض لكل متر مربع واحد.
وفي تشرين الثاني/نوفمبر 2024، وبناء على التقييمات التي أجراها برنامج التطبيقات الساتلية العملياتية (اليونوسات) باستخدام صور الأقمار الصناعية، قدّر برنامج الأمم المتحدة للبيئة أن التخلص من نحو 47 مليون طن من الأنقاض، دون إعادة تدويرها باستخدام 105 شاحنات، يتوقع أن يستغرق وقتا يصل إلى 20 سنة.
تظهر أكوام النفايات في كافة المناطق المأهولة بالسكان في قطاع غزة، وعلى مقربة من خيامهم ومنازلهم.
تشير التقديرات الأممية إلى أن أكثر من 60 مليون طن من الركام والنفايات الصلبة يجب رفعها من مختلف مناطق القطاع لإعادة فتح الطرق والوصول إلى المرافق الحيوية كالمستشفيات والمدارس.
يقول الخبير في البيئة والزراعة في غزة نزار الوحيدي إن عدم القدرة على تشغيل مكبات النفايات بسبب تدمير كل أشكال الحياة في القطاع خلق أكوامًا من النفايات الصلبة القريبة من خيام المواطنين.
إن تأثير هذه النفايات أخطر على الإنسان من كونها على مقربة من مكان سكنه.
نتج عن تلك النفايات المتكدسة مياه راشحة تتسرب مع الوقت إلى الخزان الجوفي، مما يؤدي إلى اختلاطها بالمياه الجوفية.
قالت البوجي “هناك خيام ملاصقة لأكوام النفايات والدمار (…)، روائح كريهة، أمراض، حشرات، وغيرها”.
يقول الوحيدي، إن تراكم هذه النفايات يعني انتشار مزيد من الأمراض.
بحسب برنامج الأمم المتحدة الإنمائي في فلسطين، فإن إدارة النفايات الصلبة في قطاع غزة تمثل تحديا كبيرًا لجهود إعادة الإعمار، مع وجود 47 موقعًا مؤقتًا لجمع النفايات لضمان سلامة المجتمعات المجاورة.
من أصل 365 كيلومترا مربعا، المساحة الكلية لقطاع غزة، تشير تحليلات الصور الجغرافية المكانية التي أُعدَّت مؤخرا إلى أن ما لا تتجاوز نسبته 4 في المائة من الأراضي الزراعية في غزة لم تتضرر، وأنه لا يزال يتيسر الوصول إليها.
هذه النسبة الضئيلة من الأراضي التي ما زالت صالحة للاستخدام أدت إلى تناقص كمية المحاصيل بشتى أنواعها في القطاع.
بالنسبة للوحيدي، فإن اختفاء الغطاء الخضري تماما في القطاع، خاصة الأشجار سواء المثمرة أو غير المثمرة، يعني تعرية كبيرة في التربة.
والتعرية تعني أن أشعة الشمس تنزل بشكل مباشر على التربة، الأمر الذي يجعلها تفقد خصوبتها.
إن ارتفاع درجة حرارة التربة السطحية إلى الحد القاتل للبكتيريا المفيدة يجعلها تربة غير صالحة للاستخدام، أضاف الوحيدي.
استعاض الناس خلال الحرب بالزراعة في بعض الأحيان على أسطح المنازل التي لم تتعرض للقصف، لكن وبسبب الإشعاعات الناتجة عن القصف المكثف، بدأت أنواع منها بالموت.
تقول البوجي، وهي إحدى العاملات في المجال الإعلامي في غزة، وقد تنقلت في أكثر من مكان، إن معظم الأراضي الزراعية القريبة من مكان سكنها تحولت إلى مكبات للنفايات الصلبة، أو دمرت.
بعد دخول اتفاق وقف إطلاق النار حيز التنفيذ في مرحلته الأولى، بدأ المواطنون يتواجدون بشكل مركز في مناطق محددة داخل القطاع، وهو الأمر الذي خلق أزمة قاتلة في الحصول على المياه.
وبحسب منظمة الأمم المتحدة لحماية الأطفال “يونيسيف”، فإن واحدا فقط من بين كل عشرة أشخاص لديه إمكانية الوصول المباشر إلى المياه الصالحة للشرب في قطاع غزة.
يحتاج حوالي 1.8 مليون شخص إلى أحد أشكال المساعدات الإنسانية للمياه والصرف الصحي والنظافة العامة، ويشكل الأطفال حوالي 52% منهم.
يسهم تدمير البنية التحتية لمياه الشرب والصرف الصحي والنظافة العامة، وضعف إدارة الموارد، والنمو السكاني السريع في النقص الحاد المتزايد في مياه الشرب النقية والحصول على خدمات الصرف الصحي.
مع انتشار السكان الفلسطينيين على مناطق جغرافية متباعدة وغير متصلة، وتوقع مضاعفة عددهم إلى 9.8 مليون بحلول 2050، فإن الاستثمار في البنية التحتية ليس ضروريا فحسب، بل هو أمر حاسم للحفاظ على صحة الأطفال الفلسطينيين.
يقول أحد المواطنين، وقد فضّل عدم ذكر اسمه، إن صعوبة الحصول على المياه فرضت عليه نظام حياة غير صحي.
وتابع الرجل “أنت مجبر على التخلي عن بعض الأمور بسبب نقص المياه”.
قال الوحيدي لـ”سوسنة”: “يلجأ المواطنون أحيانًا إلى بعض الطرق لمعالجة جزئية للمياه، كتسخينها قبل الاستخدام، أو تعقيمها بمواد خاصة، أو استخدام الفلاتر”.
في العاشر من تشرين الأول/أكتوبر 2025، نشر تقرير على موقع “يونيسيف” بعنوان “عطش وجوع وعجز عن الاغتسال”، يشير الى صعوبة حصول العائلات على ما يكفي من المياه للشرب، وللحفاظ على أبسط مقومات النظافة الشخصية.
لكن التغلب على التحديات يكاد أن يكون مستحيلًا، إذ إن البنية التحتية الأساسية انهارت، ومعظم سكان قطاع غزة البالغ عددهم 2.1 مليون نسمة في حالة تنقل مستمرة، يُجبرون على النزوح مرة تلو الأخرى تحت وطأة القصف المكثف.
وأضاف التقرير أنه بحلول أغسطس 2025، أصبحت 81% من مرافق المياه والصرف الصحي العامة خارج نطاق الوصول، إذ إنها تقع في مناطق عسكرية أو خاضعة لأوامر بالنزوح.
تقول البوجي: “كل شيء هنا مدمر، نحن نعيش حياة تحت المستوى الأدنى”.
قال الوحيدي: “بدأنا نرصد ارتفاعًا في أعداد الوفيات، خاصة بين الأطفال، بسبب التلوث البيئي”.
من ضمن موائل التنوع الحيوي في غزة يظهر وادي غزة كأشهر تلك الموائل التي تأثرت بسبب الدمار.
ووادي غزة هو أحد المناطق الرطبة في فلسطين الذي وثق فيه 132 صنفا من الطيور عنده.
في عام 1999 وثقت جمعية الحياة البرية في فلسطين 12 نوعاً من الطيور المهددة بالانقراض عالمياً، عند وادي غزة.
لكن الوادي اليوم أصبح مدمرا بالكامل بفعل الحرب.
يقول المدير التنفيذي لجمعية الحياة البرية في فلسطين، عماد الأطرش إن التنوع الحيوي في غزة انتهى بفعل الحرب.
وبحسب الأطرش فإن الحرب أدت إلى اختفاء 95% من أصناف الطيور في القطاع.
وعلاوة على القصف والدمار الذي لحق في البيئة في القطاع، فإن انتشار الرماد والغبار من المباني المدمرة، جعل أصنافا من الطيور تحيد عن مسارها الطبيعي في رحلتها الخريفية التي انتهت قبل يومين.