محمية “المِكسَر” ..حيث لا يزال البلوط يشاهد في فلسطين
سوسنة، اية عماد الدين
لعل فهم سبب تسمية هذه المحمية الطبيعة في عمق الضفة الغربية، يحتاج الى النظر الى طبيعة صخورها عن قرب.
ويعتقد انها، سميت بهذا الإسم بسبب طبيعة التضاريس الصخرية المتكسرة التي تشتهر بها المنطقة.
على ارتفاعات متفاوتة يصل أقصاها الى نحو 500 متر فوق سطح الأرض، توجد محمية “المكسر” قرب قرية سيريس جنوب جنين في الضفة الغربية، كواحدة من أهم المناطق ذات الطابع البيئي المميز في الضفة الغربية.
تعتبــر هــذه المحميــة مــن بقايــا الغابـات الطبيعية الخلابة لنظـام البحـر المتوسـط والمنطقـة الشـفاغورية.
فهـي تمتـاز بغناهـا بالأشجار والنباتات البريـة كونهـا منطقـة انتقاليـة.
حتى العام 2004 كانت المحمية تحمل اسم “محمية سيريس” نسبة الى القرية القريبة منها قبل أن يتغير اسمها بعد دراسة واقع المحميات في فلسطين إلى محمية “المكسر”.
والمحمية حسب مادة تعريفية صادرة عن سلطة جودة البيئة الفلسطينية، هـي منطقـة ذات تربـة حمـراء ضاربـة للبنيـة تتخللهـا سلاسـل مـن صخـور الصلـدم، التـي تنبـت فـي شـقوقها أنـواع مختلفـة مـن النباتـات كونهـا نمـوذج للسـفوح والمنحدرات ذات الإشعاع الشمسي المنخفض وعاليـة الرطوبـة نسـبيا، وهـذا سـاعد علـى نمـو الحشائش بشـكل سـريع.
أصبحت المحمية بهذه المساحة منذ عام 2021، بعد أن أجرت الشبكة الوطنية للمحميات الطبيعية دراسة شاملة لواقع المحميات في فلسطين (الضفة الغربية وقطاع غزة).
وقد تضمنت الدراسة إبقاء بعض المناطق المحمية، ودمج أخرى، وإلغاء بعضها، واقتراح مواقع جديدة مهمة للتنوع الحيوي، مع إجراء تعديلات طفيفة على الحدود لتعكس الواقع على أرض الميدان.
تتميز المحمية، التي يرتادها آلاف المواطنين طيلة أشهر السنة، بتباين بارز في مظهرها الخارجي، حيث تضم نباتات عشبية وأزهارا تنمو قريبا من سطح الأرض مثل أنواع شقائق النعمان الملونة بألوانها الجذابة، والخبيزة، واللوف وغيرها، إضافة إلى الأشجار الحرجية وعلى رأسها البلوط المنتشر بكثرة داخل حدودها.
تقول مدير دائرة المحميات الطبيعية في وزارة الزراعة، المهندسة يانا سعادة، إن هذه المحمية(1200 دونما)، من أكبر المحميات التي تنمو فيها أشجار البلوط.
لكن المساحة السابقة لمحمية المكسر قبل إجراء الدراسة للمحميات الطبيعية كانت 1150 دونم.
أدى نمو أشجار البلوط فيها بكثرة، إلى تميزها عن باقي المحميات الطبيعية في فلسطين.
تتعدى المنطقة الجغرافية المحاطة بالسهول الخصبة، كونها إحدى المحميات الطبيعية في الضفة الغربية، ليتشكل داخلها مسارا بيئيا مشيا على الأقدام يصل طوله حوالي خمسة كيلومترات.
استطاع المشاؤون والباحثون بالمجال البيئي، خلال تلك الجولات السياحية الخروج بمواد توثيقية لعدد كبير من الطيور والنباتات والأشجار فيها.
فكونها إحدى المناطق الجغرافية الملهمة، سجل فيها عددا من أنواع الطيور المهاجرة والمقيمة، عدا عن النباتات والزهور.
يقول أحمد الراجح، وهو أحد المشائين والمشاركين باستمرار في المسارات البيئية، كل ما في المحمية ملفت للعين.
شارك الرجل في أكثر من مسار بيئي في المحمية، استطاع من خلالها توثيق أنواع كثيرة من الطيور والزهور والأشجار.
قال إن منظر أشجار البلوط الأزهار جعل المحمية هدفا جاذبا لهواة التصوير والباحثين عن السير في بيئة متكاملة.
تأخذ المحمية طابعا ملهما من الناحية البيئية لما تحتويه من تنوع نباتي وحيواني يمكن مشاهدته بالعين المجردة.
ويقول المدير التنفيذي لجمعية الحياة البرية في فلسطين عماد الأطرش، إن كل النباتات المسجلة فيها هي نباتات أصلية.
ففي الوقت الذي سجلت فيه السنوات الماضية “نباتات غازية” في عدة مناطق بالضفة الغربية، ظلت هذه المحمية الغنية بالتنوع الحيوي خالية من أي من تلك النباتات.
وبسبب هذه الميزة أصبحت المحمية وجهة للباحثين والمهتمين بالمجال البيئي بكافة جوانبه.
وبحسب ما نشر في ورقة تعريفية عن المحمية، على الموقع الإلكتروني لـ”محميات فلسطينية”، فقد سجلت أنواعا من النباتات كالزعتر والخبيزة واللوف.
والمحمية الغنية بالتنوع الحيوي سجل فيها طيور مقيمة مثل عصفور الشمس الفلسطيني، والهدهد، وأبو زريق.
لكن أيضا سجل فيها عدد من أنواع الطيور المهاجرة، مثل الطيور الجارحة، واللقلق.
وبحسب الورقة التعريفية الرسمية، فإنه بسبب قربهــا مــن مــرج صانــور الممتلــئ بالميــاه شــتاءعادة، تظهــر الطيــور الصغيــرة المغــردة والطيـور الحوامـة التـي تبحـث عـن وجبتهـا اليوميـة بشـكل جلـي مـن مسـافة بعيـدة، وعنـد الدخـول لعمـق المحمية يمكـن مشـاهدة الطيـور الجارحة والمحلقـة.
يوجد في المحمية أيضا أنــواع مختلفــة مــن الطيــور و منهــا طائــر بــاز العســل كمــا يمكــن مشــاهدة العديــد مــن الحيوانــات مثــل الوبر الصخري والثعالب والخنازير البريــة.
إن طبيعتها الجغرافية ذات الطابع الجبلي وما يحيط بها، أعطاها ميزة أساسية لتكون مسارا للطيور المهاجرة، التي كتب لعدد منها البقاء كاللقلق.
يقول الأطرش “توفر الغذاء والماء القادم من بحيرة صانور التي تظهر في فصول الشتاء الماطرة، جعلها مكانا مناسبا لتواجد عدد من أنواع الطيور المهاجرة”.
في موازاة ذلك سجل أيضا أنواع من الزهور مثل شقائق النعمان، والزعفران.
قال الأطرش، في هذه المحمية تكتمل عناصر التنوع البيولوجي فيها(..)، فيها نباتات وأشجار وطيور ومسار بيئي.
من قمة المحمية يظهر الفضاء المحيط بها من مروج تكتسي باللون الأخضر في الشتاء والربيع، والأصفر الذهبي صيفا، في مشهد يستوقف الزائرون لها.
وفي المحمية عدة قمم منها القمة الغربية التي يصل ارتفاعها حوالي 450 مترا فوق سطح البحر، والقمة الشرقية بارتفاع 500 مترا منها يطل على أراض واسعة من الأغوار الشمالية شرقا.
أضاف موقعها الجغرافي إطلالة خلابة على الساحل الفلسطيني غربا، والأغوار الفلسطينية شرقا.
تنتمي المحمية لإقليم البحر الأبيض المتوسط، والذي يعتبر من الأقاليم التي تنتمي لها فلسطين.
يعتبر إقليم البحـر المتوسـط نظــام أشجار البلوط العــادي علــى الصخــور الجيريــة( وتســود أشــجار البلـوط والملـول والسـريس واشجار السـدر الضـال، كمـا تغطي المنطقـة شجيرات القنـدولّ والخويخـة والنتش والنباتات العشبية.
يمتـاز هـذا الإقليـم بوجود فصلين مركزيين خـلال السـنة وهمـا فصـل الصيـف الحـار إضافـة إلـى فصـل الشـتاء المطيـر ويعتبـر هـذا المنـاخ انتقالـي وذلـك بيـن المنـاخ المعتدل والمناخ شـبه المـداري الجـاف.
يقول الأطرش “هذا الإقليم مناسب لهجرة الطيور، وتوافر التنوع الحيوي والنباتي فيها”.
وصل عدد المحميات الطبيعية في الضفة الغربية لــ 27 محمية، ومحمية في قطاع غزة، قدرت مساحة جميعها حوالي 616 كيلو مترا مربعا، حسب سعادة.
تشكل هذه المساحة ما نسبته 11% من أراضي الضفة الغربية وقطاع غزة.
داخل محمية المكسر، هناك مسار للمشي بطول 5 كيلومترات، جعلها مقصداً مناسباً للمشائين وهواة التوثيق، والمهتمين بالتنوع البيئي في المنطقة.
وقالت سعادة في هذه المحمية يمكن الجمع بين أنواع كثيرة من النباتات والزهور والحيوانات والطيور.
ومع اعتدال درجات الحرارة تنشط حركة السياحة البيئية فيها، مع الأخذ بعين الاعتبار بقاء هذا النشاط من السياحة كافة أيام السنة، بنسب متفاوتة.
تشتهر المحمية بوجود أنواع مختلفة من الأشجار، أهمها البلوط والبطم والسريس.
على مقربة منها يمكن مشاهدة مرج صانور، الذي يمتاز بكثرة الطيور المهاجرة والمقيمة التي يستقر بعضها.
يقول الأطرش، هذه البيئة مناسبة لازدهار التنوع الحيوي، وانتشار عشرات الأنواع من النباتات والأشجار الحرجية كالبلوط.