كيف غيرت فلسطين مسار علم الطيور عبر التاريخ الحديث؟
سوسنة، جميل ضبابات
في منتصف القرن التاسع عشر، ظهر قس إنجليزي يدعى هنري بيكر تريسترام يتجول على فترات في أنحاء مختلفة من فلسطين يلاحق مختلف أنواع الطيور، وهو ما يعد اشارة الى الجهود العلمية المبكرة لتوثيق التنوع الحيوي.
كانت زيارة تريسترام الأولى لفلسطين في عام 1858، خلالها جمع عينات وملاحظات ميدانية عن عالم الطيور فيها، والتي أصبحت فيما بعد أساسا لفهم التنوع البيولوجي في المنطقة قبل التغييرات البيئية الحديثة الناتجة عن الاستعمار والحروب.
في عام 1885، نشر تريسترام إصدارا موسعا تحت عنوان “تقرير عن طيور فلسطين” يحدد 348 نوعا من الطيور، الذي أبرز غنى فلسطين بتنوعها الحيوي رغم صغر مساحتها.
اعتمد إصدار تريسترام على الملاحظات الميدانية التي جمعها خلال رحلتيه إلى فلسطين وصنفها بناء على التصنيفات الأوروبية السائدة آنذاك.
خلال تلك الرحلات جمع القس الإنجليزي آلاف العينات، بما في ذلك جلود الطيور وبيضها وريشها، مما ساعد في فهم أنماط الهجرة عبر سماء فلسطين.
كان تريسترام يراقب كيف تتغير خصائص الطيور حسب المناطق، مثل الجبال مقابل السواحل، مستلهما أفكار تشارلز داروين حول التطور، وكانت تلك الملاحظات التي جمعها مساهمة إلى حد كبير في تأسيس مجلة “إيبيس”، التي أصبحت مرجعا أساسياً في علم الطيور.
رغم اهميتها من ناحية علمية، إلا أن تلك الرحلات العلمية جاءت في إطار ظلال الاستعمار البريطاني، فقد رأى تريسترام فلسطين كأرض مفتوحة للاستكشاف الأوروبي وفي الوقت نفسه أدى صيده المكثف إلى إضرار بالتوازن البيئي، خاصة للطيور النادرة، مما أثار تساؤلات لاحقا حول الأخلاقيات العلمية التي رافقت عمله.
من الناحية التاريخية، تعد التقارير وثيقة قيمة تكشف عن الحالة البيئية لفلسطين قبل التغيرات الحديثة، مثل التحضر وتغير المناخ وما خلفه الاستعمار.
اهتم تريسترام بالربط بين الطبيعة والثقافة المحلية، حيث يشير في تقاريره إلى تفاعل السكان مع الطيور، مثل استخدامها في الصيد أو كرموز ثقافية.
كما عكست تقاريره نهجا استكشافيا يعتمد على التوثيق الدقيق، مما جعلها مرجعا لعلماء الطيور والبيئيين، ومرجعاً أساسيا لدراسة التاريخ الطبيعي في فلسطين، يُستخدم من قبل الباحثين لفهم التغيرات البيئية على مر الزمن.
“تقرير عن طيور فلسطين” لتريسترام جمع بين الملاحظات العلمية والتوثيق التاريخي، مقدما صورة شاملة عن الطيور في فلسطين التاريخية، ويصيف فلسطين كـ”جنة” لهجرة الطيور، حيث تمر ملايين الطيور عبر السماء مرتين سنويا (حوالي 500 مليون طائر اليوم، وفقاً للدراسات الحديثة المبنية عليه).
رغم قدمه، يُعتبر هذا التقرير مرجعا أساسيا للدراسات الحديثة، حيث يُقدر اليوم عدد الطيور في فلسطين بحوالي 367-470 نوعاً (بما في ذلك غزة والضفة الغربية)، مع التركيز على الطيور الوطنية مثل طائر الشمس الفلسطيني.
يعتمد تريسترام في هذا العمل على ملاحظاته الميدانية خلال رحلاته في منتصف القرن التاسع عشر، حيث وثّق الطيور بأسلوب علمي دقيق يعكس نهج (علم الطيور) في العصر الفيكتوري.
تميز أسلوبه بمزيج من الوصف العلمي الدقيق، الملاحظات البيئية، والتفاصيل الجغرافية، مع لمسات من اللغة الوصفية التي تعكس إعجابه بالطبيعة.
ويبرز العمل أهمية فلسطين كمركز بيولوجي غني بالتنوع، نظرا لموقعها الجغرافي الذي يربط بين قارات آسيا وأفريقيا وأوروبا،وعلى سبيل المثال، يوثّق وجود طيور مهاجرة تستخدم فلسطين كمحطة عبور بين أوروبا وأفريقيا، وطيور محلية تتكيف مع البيئات القاسية كالصحراء.
يصف تريسترام أنواعا مثل الصقور، والنسور، والطيور المائية، مع ملاحظات عن سلوكياتها الغذائية ومواسم التكاثر، كما يتناول تأثير التغيرات الموسمية على أنماط الهجرة، مما يوفر رؤية شاملة عن الديناميكيات البيئية.
كتب تريسترام تقريره بلغة علمية موجهة للجمهور الأكاديمي، لكنه لم يخلُ من الحماس والإعجاب بالتنوع البيولوجي في فلسطين.
كان يهدف إلى توثيق الطيور بشكل منهجي، مع التركيز على(التصنيف العلمي) بناءً على النظام السائد في أوروبا آنذاك.
تريسترام كان مفتونا بالطيور الجارحة، مثل الصقور والنسور، التي شكلت جزءا مهما من التقرير بسبب وفرتها في فلسطين.
على سبيل المثال، وصف صقر العسل بأنه “طائر قوي ومهيب، يتميز بريشه البني الداكن الممزوج بخطوط بيضاء على الصدر”، و يشير إلى أن منقاره “حاد ومعقوف”، مثالي لتمزيق فرائسه من الحشرات والزواحف الصغيرة.
واشار الى حركته في السماء بوصفها بأنها “دائرية، بطيئة، وكأنه يراقب الأرض بعيون ثاقبة”.
لاحظ أن هذا الصقر يفضل المناطق المفتوحة قرب نهر الأردن، حيث “يحلق على ارتفاعات منخفضة، مستغلا التيارات الهوائية الدافئة”.
ووصف النسر المصري بأنه “أصغر النسور، ذو ريش أبيض متسخ مع أطراف أجنحة سوداء”. ويشير إلى سلوكه “الانتهازي” في البحث عن الجيف، ويصفه بأنه “منظف الطبيعة”.
يصف تحليقه بأنه “خفيف وأنيق، يتناقض مع طباعه القذرة في التغذية”. وكان يشاهد هذا النوع في المناطق الصخرية قرب البحر الميت.
شكلت الطيور الغنائية، مثل العصافير والشحرور، الجزء الأكبر من التقرير (192 نوعا). كان تريسترام دقيقا في وصف ألوانها وأصواتها؛ وصف طائر الشمس الفلسطيني بأنه “جوهرة الطيور الفلسطينية” بسبب ريشه اللامع الذي “يتلألأ بألوان قوس قزح تحت الشمس”.
يشير إلى ذكور هذا النوع بأنها “مزينة بالأزرق المتلألئ والأخضر على الصدر، مع بطن أسود”. ويصف صوتها بأنه “لحن خفيف ومتقطع، يملأ الأشجار المنخفضة في الربيع”.
لاحظ وجودها في المناطق الخضراء قرب يافا والجليل، حيث “تتراقص بين الزهور بحثا عن الرحيق”.
وصف الشحرور بأنه “طائر مألوف بمظهره الأسود اللامع ومنقاره الأصفر الفاقع”، مشيرا إلى أن صوته “عذب ومتنوع، يشبه نغمات الفلوت”، ويُسمع غالبا في الصباح الباكر في غابات الكرمل.
يصف سلوكه بأنه “خجول لكنه فضولي، يقفز بين الأغصان بحثاً عن الحشرات”.
استخدم تريسترام اللغة الشاعرية، فعلى الرغم من العلمية، كان يستخدم تعابير مثل “جوهرة السماء” أو “راقص الرياح” لوصف الطيور الجميلة، مما يعكس إعجابه بالطبيعة.
ركز القس المستكشف على الموائل وكان يربط كل نوع بالبيئة، مثل “الأهوار الخصبة”، “الصحاري القاحلة”، أو “غابات الكرمل الخضراء”.
كما وصف سلوك الطيور بشكل دقيق مثل طريقة بناء العش، وأنماط التغذية، أو مواعيد الهجرة، مما يظهر مراقبته الميدانية الدقيقة.
يشير إلى أن التنوع البيئي (السواحل، الأودية، الجبال) يجعل المنطقة موطناً لـ348 نوعاً، وهو رقم استثنائي مقارنة بحجمها.
يصف المناطق مثل البحر الميت بأنها “عالم منعزل” يحتضن أنواعاً نادرة، بينما يصف الجليل بأنه “جنة خضراء” للطيور الغنائية.
أثناء تجواله في الصحراء، حاول تريسترام رصد الحبارى العربية وهي طائر صحراوي نادر معروف بحركاته التزاوجية المذهلة.
وصف كيف تتبع هذا الطائر عبر الكثبان الرملية تحت حرارة الشمس الحارقة، مع قلة المياه والمؤن.
ووصل تريسترام الى كهوف جبل الزيتون في في القدس لرصد البومة الصحراوية . وفي إحدى زياراته إلى هناك، قرر تريسترام استكشاف كهف صغير بعد سماعه أصواتا ليلية تشير إلى وجود البومة الصحراوية، ودخل الكهف في الليل برفقة دليل محلي، حاملا مصباحا بدائيا.
وصف كيف كان الكهف ضيقا ومليئا بالخفافيش، مما جعل التنقل صعبا، لكنه وبعد جهد مضن، شاهد البومة وصغارها في عش مخفي.
في تقريره يقول القس الإنجليزي ان البومة اثارته بسبب عينيها المتوهجتين وصوتها المخيف، معتبرا هذا الاكتشاف “مكافأة تستحق المخاطرة”.
وساهم هذا الاكتشاف في توثيق موائل البومة الصحراوية في فلسطين، وهي معلومات كانت نادرة في ذلك الوقت.
رغم ان تقاريره هي ابحاث علمية علمية مفصلة، تقسم الطيور حسب الرتب والفصائل، مع وصف لكل نوع يشمل المظهر، السلوك، الموائل، والتوزيع في فلسطين ، إلا أن تلك الرحلات التي قام بها القس الإنجليزي تذكر بـ”الأعباء الاستعمارية”، وهو ما دفع علماء معاصرين إلى إعادة تقييم هذا الإرث العلمي.