ظهور قرش الحوت العملاق في غزة يفاجئ علماء البحار
سوسنة، الحارث يوسف
في السابع عشر من أكتوبر/تشرين الأول 2025، تحديدا مع اقتراب النهار من منتصفه حدث شيئا غريبا في غزة، وبعيدا عن أهوال الحرب التي طحنت البيئة في ذلك الشريط الساحلي شهد الشاطئ الرملي ظهور مخلوق يشاهد لأول مرة .
كان ذلك بعد أيام قليلة فقط من وقف إطلاق النار الذي أعقب حربا دامت عامين (2023-2025)، حين رصد صيادون ومواطنون حيوانا بحريا ضخما يسبح قرب سواحل خان يونس جنوب قطاع غزة، وكان ذلك الحدث مفاجأة علمية فتحت أبواب الاسئلة الكثيرة.
كان ذلك الحدث غير عاديا، فقد تغير مصير واحد من أضخم الحيوانات البحرية التي لم يسبق لاي من الصيادين او الباحثين أو حتى مرتادي الشاطئ مشاهدته من قبل.
كان الجسم الرمادي الداكن الضخم يلمع تحت أشعة الشمس، وسرعان ما تحولت الدهشة إلى مشهد جماعي غير متوقع في حين كانت تعاني غزة في تلك الأيام من أزمة غذاء طاحنة.
لم يكن ذلك المخلوق الغريب على الصيادين في غزة حوتا عاديا، بل قرش الحوت، أكبر سمكة غضروفية في العالم، وثالث أكبر كائن حي على كوكب الأرض بعد الحوت الأزرق والحوت الأحدب.
ولم يكن ذلك الحدث سببا فقط لدهشة من شاهدوه من سكان غزة، إنما هو يمثل التسجيل العلمي الأول لوجود قرش الحوت في المياه المتوسطية الفلسطينية قبالة غزة، والرابع على مستوى البحر المتوسط ككل (بعد تسجيلات في تركيا عام 2021، إسبانيا عام 2022، وسوريا عام 2025).
ووثّق فيما بعد هذا التسجيل في دراسة علمية نشرت في مجلة (EIMBO) في 9 كلنون الثاني /يناير 2026، بقيادة الدكتور عبد الفتاح عبد ربه من الجامعة الإسلامية بغزة، ومشاركة 24 باحثا آخرين.
بلغ طول قرش الحوت المسجل بين 7 و8 أمتار، ووزنه حوالي 2.3 طن. وفقا للبروفيسور عبد الفتاح، لم يكن هذا الفرد بالغا بعد، إذ يمكن أن يصل طول قرش الحوت الناضج إلى 14 مترا أو أكثر، بل يصل في بعض الحالات إلى 18 مترا.
يتميز برأس عريض ومسطح، وفم كبير واسع يقع في مقدمة الرأس (خلافا لمعظم أسماك القرش)، وعيون صغيرة، وخمس شقوق خيشومية كبيرة على كل جانب.
جلده رمادي داكن خشن مع بقع فاتحة أو نقاط بيضاء على الظهر، وبطن أبيض.
أما زعانفه فتشمل زعنفتين ظهريتين (الأولى أكبر)، زعنفة شرجية، وزعنفة ذيلية غير متماثلة.
يُصنف قرش الحوت كـمهاجر ليسيبسي ، أي أنه دخل البحر المتوسط من البحر الأحمر عبر قناة السويس منذ افتتاحها عام 1869.
ليس موطنه الأصلي في المتوسط، بل هو نوع استوائى ينتشر في المياه الدافئة الاستوائية والشبه استوائية حول العالم، حيث تفضل درجات حرارة تتراوح بين 21 و30 درجة مئوية.
يتغذى عن طريق الترشيح على العوالق الحيوانية، الكريل، الأسماك الصغيرة التي تعيش في أسراب، بيض الأسماك، ورأسيات الأرجل،و تشبه طريقة تغذيته الحيتان الضخمة، مما أكسبه اسمه “قرش الحوت”.
يقول الدكتور عبد الفتاح في الدراسة “إن رصده أكثر من مرة في موئل ليس الأصلي له يعزز فرضية ارتباطه بالتغير المناخي الذي يضرب العالم بقوة”.
ويضيف في مقابلة خاصة مع منصة “سوسنة””ربما يكون هذا القرش قد وصل بسبب التغير المناخي الذي بسببه ارتفعت درجة حرارة مياه البحر الأبيض المتوسط، لتصبح أكثر دفئا”.
أما التفسير الآخر فيراه منطقيا أيضا “هذه العينة ربما انسلخت عن سرب كان من ضمنه وضل طريقه ووصل إلى هنا”.
ويربط بين السببين “إحساس قرش الحوت بدفء مياه البحر المتوسط جعله يعتقد أنه يسبح في الاتجاه الصحيح”.
يُعد هذا التسجيل إضافة مهمة، إذ يرفع عدد أنواع أسماك القرش في البحر المتوسط إلى 51 نوعا.
ويأتي ضمن ظاهرة أوسع تُعرف بـ”الاستوائية” للبحر المتوسط، حيث يهدد تدفق الأنواع الاستوائية إعادة تشكيل النظم البيئية، ويهدد الأنواع المحلية المتكيفة مع المياه الأبرد بالانقراض أو التهجير.
علقت السمكة في شباك صيد تستهدف سمك “النصف منقار الأسود” على بعد حوالي 700 متر من الشاطئ.
واستخدم الصيادون ما بين 20-30 قاربا صغيرا غير مزود بمحرك (حساكات بالمجداف) وحبالا سميكة لسحبها إلى الشاطئ.
استغرقت العملية حوالي ساعة ونصف (من 11:00 صباحا إلى 12:30 ظهرا). وماتت السمكة على بعد 200 متر من الشاطئ.
سرعان ما تجمع مئات، ثم آلاف من المواطنين — معظمهم نازحون جائعون — قرب ميناء الصيد في خان يونس لتقطيع السمكة.
تم بيع اللحم على الشاطئ بسعر 10-20 شيكل (3-6 دولارات) للكيلوغرام. ويُقدر أن 3000 إلى 4000 شخص استهلكوا اللحم، الذي تم طهيه بالسلق أو القلي أو الشوي.
وصف الناس في غزة اللحم بأنه “أبيض طري ولذيذ”، والكبد غني بنكهة تشبه كبد الدواجن، بينما لحم الزعانف دهني جدًا مع خطوط غضروفية.
رأى الكثيرون السمكة “نعمة من السماء” أو “رزق من البحر” في ظل الجوع الشديد. ويربط البحث الحدث مباشرة بالمجاعة التي عانى منها سكان غزة بعد حرب استمرت عامين، أدت إلى مقتل نحو 80 ألف شخص، إصابة 180 ألفا، ونزوح حوالي 90% من السكان.
وأدى الحصار والتدمير المتعمد للبنية التحتية الغذائية (مزارع، ومواشي، قوارب الصيد) إلى نقص حاد في البروتين في الغذاء.
قبل الحرب، كان الصيادون يطلقون سراح الأنواع النادرة مثل السلاحف البحرية والدلافين، لكن الظروف القاسية غيرت ذلك.
يؤكد الباحثون أن الاستهلاك كان استجابة للبقاء تحت ظروف “المجاعة المتعمدة”، وأن حياة الإنسان تأتي أولا. ويشددون على أن استهلاك سمكة واحدة لا يهدد النوع عالميا، خاصة أن البحر المتوسط ليس موطنه الرئيسي.
يتميز قرش الحوت ببطء نموه، وتأخر بلوغه الجنسي، وطول عمره (80-130 عاما)، مما يجعله عرضة للتهديدات مثل الصيد العرضي، والاصطدام بالسفن، والتلوث، وتغير المناخ.
ويُصنف النوع حاليًا مهددًا بالانقراض وفقا للقائمة الحمراء للاتحاد الدولي لحفظ الطبيعة (IUCN).
يختلف تسجيل غزة عن التسجيلات السابقة في أنه الوحيد الذي انتهى بصيد واستهلاك جماعي بسبب السياق الإنساني الاستثنائي، بينما كانت التسجيلات الأخرى مجرد مشاهدات أو حوادث تصادم.
وتربط الدراسة بقوة بين التغير البيئي (انتشار الأنواع عبر قناة السويس والتغير المناخي) وبين الأزمة الإنسانية الناتجة عن الحرب والحصار.
في سياق أوسع، يأتي هذا الحدث ضمن تحول محتمل للبحر المتوسط نحو نظام بيئي استوائي، كما حذرت دراسات حديثة نشرت في مجلة PNAS.
يهدد ارتفاع درجات حرارة سطح البحر تدفق الأنواع الاستوائية، مما قد يعيد تشكيل التنوع البيولوجي ويؤثر على سلاسل الغذاء والاقتصادات الساحلية.
يُعد هذا البحث الأول من نوعه الذي يفحص أول تسجيل لقرش الحوت في النظام البيئي البحري الفلسطيني.
في السنة الاخيرة رفع باحثون دوليون صوتهم من مخاوف تدفق الأنواع الاستوائية بإعادة تشكيل النظم البيئية في البحر الأبيض المتوسط، في وقت تواجه الأنواع المحلية، المتكيفة مع درجات حرارة أكثر برودة، خطر الانقراض أو التهجير بسبب المنافسة الشرسة من الانواع الغازية.
على سبيل المثال، قد تؤدي الأنواع مثل القواقع المخروطية، المعروفة بسميتها العالية، إلى خفض أعداد الأسماك المحلية والرخويات، مما يعطل سلاسل الغذاء.
ومما يفاقم المشكلة أيضا هو غياب الحيوانات المفترسة الطبيعية في البحر المتوسط، مثل أسماك القرش أو الباراكودا التي تتحكم في أعداد الأنواع الغازية مثل أسماك التنين في البحر الأحمر.
ونتيجة لذلك، تزدهر الأنواع الغازية دون قيود، مما يؤدي إلى زيادة أعدادها بشكل سريع.
في دراسة (PNAS) حذر باحثون من أن البحر المتوسط على وشك تحول بيئي جذري.
تحمل الدراسة عنوان “بداية غزو الأنواع الاستوائية الأطلسية للبحر المتوسط”، وتسلط الضوء على كيفية دفع ارتفاع درجات حرارة البحر في المحيط الأطلسي للأنواع الاستوائية نحو الشمال، مما قد يحول البحر المتوسط إلى نظام بيئي استوائي بالكامل بحلول عام 2100.
هذه الظاهرة، التي يغذيها تغير المناخ، قد تعيد تشكيل التنوع البيولوجي البحري، وتعطيل النظم البيئية المحلية، وتُشكل تحديا للمجتمعات الساحلية في المنطقة.
والدراسة، التي قادها باولو ج. ألبانو ومايكل شتاين وفريق من الباحثين الدوليين، تؤكد على الحاجة الملحة لمعالجة الاحتباس الحراري لحماية أحد أكثر البحار شهرة في العالم.
تُقدم دراسة (PNAS )تحذيرا صارخا من المستقبل المحتمل للبحر المتوسط، حيث يهدد الاحتباس الحراري بتحويل هذا البحر الغني بالتنوع البيولوجي إلى نظام بيئي استوائي، من خلال الاعتماد على الأدلة التاريخية ونمذجة المناخ الحديثة، توفر الدراسة خريطة طريق لفهم هذا التحول ومعالجته.
مع استمرار ارتفاع درجات حرارة البحر، يصبح الوقت جوهريا لاتخاذ إجراءات منسقة لحماية النظم البيئية في البحر المتوسط ودعم المجتمعات التي تعتمد عليها.
وينظر الى الحفاظ على التوازن البيئي في البحر المتوسط ليس مجرد قضية بيئية، بل هو ضرورة اقتصادية وثقافية للمنطقة بأكملها.
تعتمد الدراسة على نهج فريد، حيث تستخدم سجلات الحفريات من فترة الدفء الأخير (من 135,000 إلى 116,000 سنة مضت) للتنبؤ بالتغيرات البيئية المستقبلية.
خلال تلك الفترة، كانت درجات الحرارة العالمية أعلى بحوالي 0.5 إلى 1.5 درجة مئوية مقارنة بمستويات ما قبل الصناعة، مما يوفر نموذجا طبيعيا لسيناريوهات الاحتباس الحالية.
ومن خلال تحليل بقايا الحفريات البحرية للرخويات من هذه الحقبة، حدد الباحثون أدلة على استعمار أنواع استوائية من المحيط الأطلسي، مثل الحلزون المخروطي، للبحر المتوسط عبر مضيق جبل طارق.
هذه الأنواع، التي توجد عادة على السواحل الدافئة لغرب إفريقيا، ازدهرت في البحر المتوسط خلال هذه الفترة الدافئة، وتراجعت عندما بردت درجات الحرارة.
وتشير الدراسة إلى أنه مع ارتفاع درجات حرارة سطح المحيط الأطلسي التي أصبحت أعلى بـ1.3 درجة مئوية مقارنة بمستويات ما قبل الصناعة فإن الأنواع الاستوائية مهيأة مرة أخرى للغزو.
في سيناريوهات المناخ المتوسطة ، يتوقع الباحثون أن هذه الأنواع قد تستقر بشكل دائم في غرب البحر المتوسط بحلول عام 2050.
في السيناريو الأسوأ حيث تظل انبعاثات الغازات الدفيئة دون رادع، قد يصبح البحر المتوسط استوائيا بالكامل بحلول نهاية القرن، مما يترك تداعيات عميقة على الأنواع المحلية وسبل عيش الإنسان.
يعد مضيق جبل طارق، القناة الضيقة التي يبلغ عرضها 14 كيلومترا وتربط المحيط الأطلسي بالبحر المتوسط، البوابة الرئيسية لهذا الغزو.
على عكس شرق البحر المتوسط، حيث تدفقت الأنواع الغازية من البحر الأحمر عبر قناة السويس منذ افتتاحها عام 1869، كان غرب البحر المتوسط أقل تأثرا الأنواع غير الأصلية تاريخيا.
ومع ذلك، فإن مياه المحيط الأطلسي المتزايدة الدفء تمكن الآن الأنواع الاستوائية من البقاء على قيد الحياة في رحلتها عبر المضيق.
من المتوقع أن تستعمر أنواع مثل المرجان الشعابي الأفريقي الغربي وصندوق الجواهر الشوكي البحر المتوسط، متغلبة على الأنواع المحلية مثل بلح البحر المتوسطي.
تشير نماذج الدراسة إلى أن ارتفاع درجات حرارة المياه في المحيط الأطلسي يخلق “جسرا حراريا” يسمح للأنواع الاستوائية بالازدهار في بيئة البحر المتوسط المتزايدة الدفء.
سجلت درجات حرارة سطح البحر المتوسط بالفعل مستويات قياسية، وهذا الاتجاه الاحتراري واضح بشكل خاص في شرق البحر المتوسط، لكن الدراسة في PNAS تحذر من أن غرب البحر المتوسط أصبح الآن معرضا للخطر أيضا، حيث تستغل الأنواع الأطلسية الظروف المناخية المتغيرة.
تشير الدراسة أيضا إلى أن بعض الأنواع الغازية قد تجلب فوائد محتملة، مثل التكيف مع المياه المتزايدة الدفء التي أصبحت غير مناسبة للأنواع المحلية.
ومع ذلك، فإن الخسائر الإجمالية في التنوع البيولوجي قد تفوق هذه الفوائد، حيث تختفي الأنواع الأصلية التي تشكل أساس النظم البيئية والاقتصادات المحلية، مثل صيد الأسماك وتربية المحار.
لن تؤثر “الاستوائية” المتوقعة للبحر المتوسط فقط على النظم البيئية البحرية، بل ستؤثر أيضا على المجتمعات البشرية التي تعتمد على البحر لكسب عيشها.
يعيش ملايين الاشخاص في حوض البحر المتوسط بالاعتماد على صيد الأسماك، والسياحة، وتربية الأحياء المائية، وهي صناعات حساسة للتغيرات في التنوع البيولوجي البحري.
على سبيل المثال، قد يؤدي انخفاض أعداد بلح البحر المتوسطي إلى خسائر اقتصادية في قطاع تربية الأحياء المائية، بينما قد تؤثر الأنواع السامة مثل أسماك التنين على السياحة الغوصية بسبب المخاطر الصحية.
علاوة على ذلك، قد تؤدي التغيرات في توزيع الأنواع إلى اضطرابات في سلاسل التوريد الغذائية، مما يؤثر على أسواق المأكولات البحرية المحلية والإقليمية.
يحذر الباحثون من أن هذه التغيرات قد تتطلب استراتيجيات تكيفية، مثل تعزيز تدابير الحماية البحرية أو تطوير تقنيات جديدة لصيد الأسماك للتعامل مع الأنواع الغازية.
وتؤكد الدراسة على الحاجة الملحة لتخفيف تغير المناخ لمنع أسوأ السيناريوهات الاستوائية.
يدعو الباحثون إلى تقليل انبعاثات الغازات الدفيئة للحد من ارتفاع درجات حرارة البحر، بالإضافة إلى استراتيجيات إدارة محددة للحد من تأثير الأنواع الغازية.
و تشمل التوصيات حماية المناطق البحرية المحمية للحفاظ على التنوع البيولوجي المحلي، ومراقبة تدفق الأنواع عبر مضيق جبل طارق، وإجراء المزيد من الأبحاث لفهم التفاعلات بين الأنواع الغازية والمحلية.
كما يوصي الباحثون بتدابير استباقية، مثل إدخال مفترسات طبيعية أو استراتيجيات صيد مستهدفة للسيطرة على أعداد الأنواع الغازية مثل أسماك التنين.
ومع ذلك، فإن التحدي يكمن في غياب مفترسات طبيعية في البحر المتوسط، مما يجعل هذه التدابير معقدة ومكلفة.