صورة قلمية: على طريق مسار العيون الأزلية
سوسنة، خالد أبو علي
في صباح الجمعة الجميل، السادس عشر من كانون الثاني الجاري 2026 ، استعد فريق ” امشي وتعرف على بلدك” لانطلاق مسار العيون الأزلية في حوسان وبتير في بيت لحم جنوب الضفة الغربية.
غير أن الطريق لم يكن ممهدا؛ ثلاث ساعات من المضايقات وإغلاق البوابات العسكرية الإسرائيلية عند مدخل البيرة الشمالي وحاجز عين سينيا، والالتفاف القسري عبر عين يبرود وسلواد ودير جرير والطيبة، ثم التدقيق في الهويات على حاجز «الكونتينر»، قبل أن يصل نحو 80 مشاء إلى حوسان، مثقلين بالتعب، لكن مرفوعي الرؤوس.
تنفس الفريق الصعداء عند الوصول إلى حوسان، الواقعة في قلب الطبيعة الفلسطينية، على بعد 8 كيلومترات غرب بيت لحم، حيث الزيتون المعمر وكروم العنب يرسمان لوحة التوازن بين الإنسان والأرض.
وبرفقة الدليل المحلي جمال شوشة، تجول المشاؤون بين عيونها: عين الهوية، وعين السخونة، وعين عبد الهادي، وعين عبد عطا، وعين الناموس، وعين عطية، والعين الصغيرة، وعين العمود (عين البلد)، وعين العروس.
انها ينابيع تواجه اليوم تهديدا مشتركا، لكنها ما زالت تشكل سورا من ماء وكرامة، تتكئ عليه البلدة في وجه التغول، وتؤكد أن الحياة هنا ما زالت تنبع رغم كل شيء.
وصل الفريق الى العين الرئيسية وهي نبع عيــن الهويــة، المعروف محليا أيضا بـ”عين الهوا”، موردا من أهم الموارد المائية العذبة التي لا تزال تتدفق من صخور الحجر الجيري في منطقة وادي العيون.
تعد عيــن الهويــة نبعا كارستيا، ينبثق من تجويف صخري طبيعي يصل طوله إلى 20 مترا، ينفتح في نهايته على غرفة كهفية تشبه قلبا جيولوجيا يخزن الماء بهدوء وثبات.
هذه المياه النقية تنبع بدرجات حرارة معتدلة نسبيا، فتشكل نظاما بيئيا دقيقا يساهم في ترطيب التربة الزراعية، ويدعم النباتات المحلية، ويساهم في توازن التنوع الحيوي في المنطقة، خاصة في مواسم الجفاف.
المغارة أسطورة الماء والنار في عمق التكوينات الكارستية لنبع عيـن الهويـة، يتفرع نفق صخري يبلغ طوله قرابة 20 مترا، قادنا إلى مغارة طبيعية أشبه بـ”محراب جيولوجي” نحتته قوى الطبيعة عبر آلاف السنين، بنحت صامت وصبور، لا يرى إلا بعين من يعرف كيف يقرأ التاريخ في ثنيات الحجر.
وكنت في صيف العام 2025 قد دخلت الى التجويف الداخلي الكبير مع بعض الأصدقاء، انفتحت أمامي غرفة مائية جوفية تتفجر منها المياه العذبة من جميع الاتجاهات، في مشهد بالغ الندرة، تتجلى فيه العمليات الهيدرولوجية الطبيعية، حيث انهمرت المياه من السقف على جسدي عبر هوابط كلسية تكونت على مدار الزمن من ترسيب كربونات الكالسيوم، في عملية علمية دقيقة تعرف بالتقطير الجوفي.
وتتشكل هذه الهوابط ببطء شديد، قد يصل إلى مليمتر واحد كل مائة عام، ما يجعل من هذا المكان أرشيفا جيولوجيا مفتوحا يحفظ في صخوره فصولا من التغيرات البيئية والمناخية التي مرّت بها فلسطين.
لكن العين لا تكتفي برواية العلم، بل تتممها بأسطورة متجذرة في الذاكرة الشعبية، فوفقا لما يرويه كبار السن من أهالي بلدة حوسان، فإن اسم “عين الهوية” ربما اشتُق من كلمة “الهاوية”، بسبب انخفاض موقعها الجغرافي.
غير أن الحكاية الشعبية تنقل رواية أخرى أكثر شاعرية عن شاب وفتاة، حُرما من الحب، دخلا المغارة ولم يخرجا أبدا.
ويُقال إن الطبيعة تجسدت في صواعد وهوابط تُشبه ملامحهما المتحجرة، وكأن الصخور والماء احتفظت بروحيهما في حالة وجدٍ أبدي، ليُصبح المكان أسطورة بيئية وطنية تتناقلها الألسن، وتنمو مع كل زائر، وتتنفس مع كل قطرة ماء.
الشتاء في عين الهوية
دورة حياة متجددة في فصل الشتاء الحالي وقبل نحو أسبوع ، تحولت مياه عين الهويــة إلى شلالات متدفقة تنساب بين التكوينات الصخرية، لتغذي وادي العيون وتعزز من رطوبة التربة الزراعية، فتعيد تشكيل الغطاء النباتي المحلي وتساهم في تعزيز السلسلة الغذائية البيئية للمنطقة.
هذه الظاهرة الموسمية تخلق بيئة ديناميكية تجذب عشاق الطبيعة والمصورين والباحثين عن الجمال الطبيعي الخام، الذي لا يزال صامدا أمام التمدن العشوائي والزحف العمراني المهدد للموارد الطبيعية في المناطق الفلسطينية.
إن عين الهوية بهذا العمق المائي والتاريخي والأسطوري، تشكل جزءا من الإرث الطبيعي الفلسطيني الذي يسهم في تعزيز الهوية البيئية، ويعيد الاعتبار لعلاقة الفلسطيني بالأرض والماء والحكاية.
وادي العيون: أنموذج للزراعة البيئية المتكاملة
يقع نبع عين الهوية في قلب ما يُعرف بـ”وادي العيون”، حيث سار فريق ” امشي وتعرف على بلدك ” نحو الوادٍي الزراعي الأخضر الذي يمتد بين بلدتي بتير وحوسان، ويعد مثالا حيا على الزراعة التقليدية المستدامة التي طورها الفلاح الفلسطيني عبر قرون من التفاعل مع البيئة المحلية.
يتميز الوادي بوجود مدرجات زراعية حجرية تتوزع على سفوحه، صممت يدويا لمنع انجراف التربة، والحفاظ على المياه من التبخر والتسرب، ما يُعزز من فعالية الري وتنوع المحاصيل.
تُسقى هذه المدرجات بمياه نبع عين الهوية، ما يجعل النظام الزراعي فيها يعتمد على الري الطبيعي الجاذبي، وهي تقنية قديمة تعكس ذكاء بيئيا في استغلال التضاريس والانحدار لتوزيع المياه دون الحاجة لطاقة خارجية.
وتُزرع في هذه المدرجات الخضراوات الموسمية مثل البندورة والخيار والملفوف والفاصوليا والخس، إلى جانب أشجار الفاكهة كالخوخ والتين والعنب والسفرجل، في انسجام مع التنوع النباتي المحلي.
عطر المكان: نعناع وهواء وذاكرة
يتميّز وادي العيون بتركيبة هوائية نقية مشبعة بـرائحة النعناع البري، الذي ينمو بكثافة حول مصادر المياه، ويعمل طاردا طبيعيا للحشرات، ومؤشرا على جودة التربة.
كما تسكن في الوادي أسراب الطيور المغردة والجارحة، التي تسهم في عملية التلقيح ونثر البذور، وتضفي بوجودها الحيوي بعدا جماليا وبيئيا على المكان.
هذا النظام البيئي هو حقا وحدة طبيعية، وامتداد لذاكرة جماعية.
فالوادي يحمل بين مدرجاته أصوات الجدّات اللواتي كن يحملن الجرار الفخارية من العين إلى البيوت، ويعدن استخدام المياه في الطهي والخبز والغسيل، في طقوس يومية تجسد العلاقة الحية بين الإنسان والماء والأرض.
وكان من الشائع أن تبارك العائلات بداية الموسم الزراعي بـ”رشة ماء” من النبع، في ممارسة رمزية تؤكد قداسة المورد الطبيعي في الوعي الشعبي الفلسطيني.
عن حارس نبع الهوية
يُعد الكابتن بلال حمامرة، من أبرز النشطاء البيئيين والمجتمعين في قرية حوسان بمحافظة بيت لحم، ويجسد أنموذجا فريدا للتكامل بين حب الأرض، والرياضة، والتراث.
شخصيته تمزج بين هدوء الفلاح وحماسة الرياضي ورؤية المثقف البيئي، وقد كرّس سنوات من عمره لخدمة الطبيعة الفلسطينية، لا سيما في محيط نبع عين الهوية.
تولى الكابتن بلال مهمة رعاية نبع عَيْــن الهويــة، باعتباره موقعا تراثيا وبيئيا مهما، وله جهود شخصية عدة منها، تنظيف النبع ومحيطه باستمرار وبمساعدة بعض المتطوعين، وبناء مظلة من القصب تقي الزوار من الشمس على نحو متناسق مع الطبيعة، وتجميل فتحة النبع لتبدو المياه كأنها تنساب من عرق عنب فلسطيني، إضافة إلى زراعة النباتات المحلية حول النبع وتنظيم المكان ليصبح محطة راحة وملتقى لأهالي القرية والزوار. نظام “المعدود” التقليدي
يعتمد عشرات المزارعين في حوسان وبتير على هذا النبع لري زراعتهم الصيفية، وهم يتقاسمون الماء وفق نظام تراثي قديم، يُعرف محليًا بـ” المعدود”.
ويستند النظام إلى تقسيم المياه بين المزارعين وفق جدول زمني محدد، حيث يتناوب الفلاحون على استخدام المياه في أوقات محددة لضمان العدالة.
ويعد هذا النظام جزءا من التراث الثقافي للقرية، وقد ساهم في الحفاظ على الأمن المجتمعي والبيئي، حيث لم تسجل أي نزاعات حول المياه بفضل التوزيع المنظم .
بين الزيتون والبرية.. سيرة الربيع الفلسطيني
واصل الفريق سيره بين حقول الزيتون الرومي العتيق، حيث كان الربيع يفتح قلبه على اتساعه، فتتوشح الأرض بالأخضر وتتناثر ألوان الأزهار البرية من قرن الغزال إلى تفاح المجن فالأقحوان البري، كأن الطبيعة تكتب نشيدها الخاص على سفوح الوطن.
كانت خطوات المشائين مصافحة حميمة للأرض التي تحفظ الذاكرة وتورق بالحياة كل عام.
وتنقّل المشاركون بين اللوف الفلسطيني والزعمطوط والميرمية والخبيزة، وبين ظلال البلوط والخروب والبطم واللوز وسواها من الأشجار الأصيلة، التي نبتت في المكان لتشهد على حكاية الأرض وأصحابها، وتؤكد أن هذا التراب ما زال ينطق بالجذور، ويقاوم بالنبات، ويحب بالحياة.
سكة بتير… حين كان القطار يمر بالقلب
سار الفريق بين الطبيعة الخلابة حتى بلغ سكة الحديد في بتير. كان المشهد الحالي مجرد قضبان صامتة، لكن في جوهره حكاية تمشي بمحاذاة الوادي والذاكرة.
هذه السكة، التي أُنشئت أواخر العهد العثماني عام 1892 ضمن خط يافا-القدس، جعلت من بتير محطة حياة، تنقل أهلها ومحاصيلهم إلى المدن، وتنسج بين المدرّجات الزراعية وحركة القطار علاقة دفء وحضور في تفاصيل اليوم الفلسطيني.
لكن النكبة والحرب عام 1948 كسرت هذا الإيقاع، فتحوّل الخط إلى حدود، وتوقفت المحطة عن العمل، وانسحب القطار من المشهد.
وبقيت السكة شاهدا حجريا وحديديا على زمن كان فيه الطريق مفتوحا، وعلى قرية ما زالت تحفظ في ترابها صوت العجلات، وحنين الرحلة، وحق الأرض في الحياة والحركة.
التقط الفريق الصور التذكارية مع سكة القطار والتي أصبحت من الذاكرة .
التاريخ الذي يسقي الأرض وصل فريق المشائين الى عيون بلدة بيتر بعد مسار بطول تسعة كيلومترات واهمها عين البلد في مركز البلدة، تُعدّ أشهر الينابيع وتُستخدَم للزراعة والشرب أحيانًا وهي امتداد طبيعي لجذور هوية مكانية لا يمكن فصلها عن كرامة الإنسان الفلسطيني.
هي نبع أزلي، يعود إلى عصور قديمة جدًا، المنطقة المحيطة مأهولة منذ آلاف السنين، تشهد على ذلك قنوات الري، والمدرجات الحجرية، وعرق المزارعين الذين رسموا الخضرة على الجبال، حين كان الماء مرآة لحضارة كنعانية لا تموت، ويعتقد أن مغارتها قد تكونت طبيعيا جراء الزمن، حتى تحولت إلى خزان مائي يختزن أسرار القرون.
وقد سجلت بتير في ملف الترشيح للتراث العالمي لليونسكو ، التي ترتبط بها جغرافيا وثقافيا، تأكيدا على أن هذا النبع هو موردا للحياة، ومعلما ثقافيا وجزءا من هوية فلسطينية لا تقبل الطمس.
العيون التي لا تنام
ومع كل ذلك، تبقى عيون حوسان وبتير مفتوحة، ترفض الغياب، يزورها الفلسطينيون من كل المدن والبلدات، يغسلون فيها أرواحهم، ويعودون بذاكرة مبلّلة بالماء والمقاومة. ويُعد الحفاظ على هذا التنوع الحيوي مسؤولية جماعية، تتطلب وعيا بيئيا وموقفا وطنيا، خاصة مع محاولات نزع السيطرة عن الموارد وطمس معالم الأرض.
إن حماية هذه العيون والحفاظ على بيئتها الطبيعية يعد مسؤولية وطنية وبيئية في آن واحد، باعتبارها جزءا من التراث المائي الفلسطيني الذي يواجه اليوم تهديدات متزايدة من التمدّد الاستيطاني والتغيرات المناخية، فهي نبع ماء وذاكرة سائلة تشهد على علاقة الإنسان الفلسطيني بأرضه، وتُجسد بوضوح أن الانتماء للأرض يبدأ من احترام الماء الذي يسقيها.
*خالد أبو علي، هو باحث وناشط بيئي فلسطيني يقيم بين مدينتي رام الله وجنين، ويعتبر أيضا خبيرا في التخطيط الاستراتيجي والطاقة الخضراء وله إسهامات متعددة في تنظيم النشاطات الخضراء