
سوسنة، اسراء صبح
في قلب غزة، حيث يلتقي ألم الحرب بقسوة المناخ، كان يوسف أبو ربيع، المزارع الذي لا تعرف يده سوى البذرة والأمل، يزرع الأرض كما يزرع الحياة.
رغم القصف الذي لا يتوقف، والتغيرات المناخية التي تسلب اللون الأخضر من الأرض، ظلَّ يوسف يقاوم، يروي زرعه في حربٍ لم تترك شيئًا إلا وأحرقته.
“لقد زرعنا الأمل”، كانت هذه إحدى كلماته بعد ان أطلقَ فكرة إعادة الزراعة في غزة ضمن الإمكانيات المتاحة، ونشر هاشتاغ في الفضاء الإلكتروني “حنزرعها بعون الله”.
ولكن، في لحظة من لحظات الحرب، رحل يوسف بغارة اسرائيلية، تاركًا وراءه أرضًا غارقة في الألم، وسحابة كبيرة من ثاني اكسيد الكربون الذي خلفته الحرب، ويشكل الآن واحد من اكثر المشاكل البيئية التي ستؤثر على القطاع لعشرات السنين.
كان يفترض أن تكون هذه الفقرة جزءًا من مقابلة مع يوسف أبو ربيع، كنت سأكتب اسمه، ثم أضع نقطتين بعده، وأترك المجال لكلماته كي تحكي عن الأرض، عن الزرع، عن المعركة التي يخوضها المزارع مع المناخ والحرب معًا.
لكن يوسف صمت للأبد، الحرب أخذت صوته قبل أن يصل إليّ، فوجدت نفسي أكتب عنه بدلًا من أن يجيبني.
وما بين أرضٍ فقدت مزارعها، ومزارعٍ فقد أرضه، يستمر الألم والخوف من كوارث بيئية مستقبلية ستضرب القطاع الشاطئي.
“المزارع يعشق أرضه، واليوم نعاني حالة نفسية صعبة جدًا لأننا حُرمنا من رؤيتها”.
بنبرة مليئة بالحسرة والحزن، بدأ المزارع نعيم عاشور من غزة حديثه لـ منصة “سوسنة” البيئية عن الواقع المرير الذي عاشه بعد أن فقد أرضه ومحاصيله بسبب الحرب.
يقول المزارع، “قبل اندلاع الحرب، كانت الزراعة تسير بشكل جيد، وكل شيء كان متاحًا، من مدخلات زراعية إلى تسهيلات كانت تساعدنا في عملنا”.
ويضيف “كان لدينا بعض المشاكل في التربة، ولكننا تمكنا من التغلب عليها باستخدام التعقيم الحراري وأدوات الزراعة الأخرى”.
لكن بعد الحرب، تغير كل شيء، أصبح كل شيء غير متوفر، تأثرت التربة، والمحاصيل، ولم يعد لدينا أي من المواد الأساسية التي كنا نعتمد عليها، وفق عاشور.
ويكمل “ظهرت مشاكل كثيرة في التربة بعد الحرب، ولم نعد نملك مبيدات حشرية للآفات، كما أن الأسمدة اللازمة للمحاصيل أصبحت نادرة للغاية وتكاد معدومة، مضيفًا أن الوضع أصبح أصعب بسبب نقص المياه، إذ لا توجد مياه كافية للري، ولا كهرباء لضبط انتظام عملية الري”.
ويشرح أن “نظام الري الآن أصبح يعتمد فقط على ما هو متاح. قبل الحرب، كنا نستخدم الغاز لتشغيل المواتير وري المحاصيل، ولكن اليوم، انقطع الغاز ولم نعد نملك البديل.”
وبناءً على تقارير محلية متطابقة في غزة فان المساحات الزراعية التي يمكن الوصول إليها وزراعتها لا تزيد على 5000 دونم، ونسبة الأراضي التي يمكن ريها باستخدام الطاقة الشمسية محدودة بنسبة 2% من إجمالي الأراضي الزراعية.
ويرجع هذا الانخفاض في الري إلى ارتفاع تكلفة الوقود اللازم لتشغيل الآبار، إذ بلغ متوسط سعر اللتر الواحد 50 شيكلاً، ما يجعل استخدامه غير مجدٍ اقتصاديًا.
يقول عاشور “الحرب دمرتنا ومحاصيلنا، فإما كانت المحاصيل تتعرض للقصف، أو كانت تحدث عمليات إخلاء، فنضطر لترك المحاصيل”.
“تركنا خمس دونمات، وهربنا من المنطقة بسبب القصف”.
وعن عملية نقل المحاصيل إلى الأسواق يقول عاشور، “كان أمرًا بالغ الصعوبة. كنا ننقلها باستخدام الكارات الحيوانية أو عبر سيارات بأسعار باهظة، مما جعل كل شيء يصبح مكلفًا للغاية.”
لا تقف التحديات عند الحرب فقط، فالتغير المناخي يفاقم الأوضاع الزراعية المتردية في غزة.
واتفقت الكثير من الدراسات التي اجرتها منظمات دولية متخصصة خلال السنوات الاخيرة، على ان قطاع غزة يعتبر من اكثر المناطق تأثرًا بالتغيّرات المناخية، بسبب انحسار المساحات الخضراء من ناحية، وازياد عدد السكان من ناحية أخرى.
وفق دراسة تحمل عنوان “إعادة هيكلة لجنة المياه الإسرائيلية الفلسطينية” لمعهد ماساتشوستس للتكنولوجيا في 2019، واطلعت عليها “سوسنة”، فإن متوسط هطول الأمطار السنوي في المنطقة (الشرق الأوسط) سينخفض بنسبة 10 إلى 30 بالمئة بحلول 2100، إضافةً إلى أن درجات الحرارة سترتفع بمقدار 3 إلى 5 درجات، وهذا سيزيد من حرارة المنطقة.
“قبل الحرب، كان التغير المناخي يؤثر بشكل ملحوظ على الزراعة، فالطقس يصبح شديد الحرارة، وهو ما أثر بشكل كبير على المحاصيل، وبالتالي يفسد الزهور والعناقيد، وفي الشتاء الرياح الشديدة تتولى المهمة!”، وفق عاشور.
وقال عاشور “بعد أن فقدنا محاصيلنا، أصبحنا ننتظر المساعدات والمعونات كباقي المواطنين المغلوب على أمرهم، وضعنا صعب للغاية، والمزارعون في غزة يعانون بشكل كبير.”
كان الدكتور ماجد حمادة، خبير بالشؤون البيئية في غزة، واحدًا ممن لم تشغلهم الحرب عن التفكير في الخطر الذي ينهش في البيئة.
يقول حمادة لـ”سوسنة”، “الحروب المستمرة في غزة تسببت في تدمير 75% من الغطاء النباتي، كما أن 90% من الأراضي الزراعية في الشمال تضررت بشدة، وفي مناطق الجنوب، قد يصل الضرر إلى 75-80% من الأراضي الزراعية” مشيرًا إلى أن الحرب ساهمت بشكل رئيسي في تدهور البيئة وتضرر القطاع الزراعي.
ووفقًا لتقييم حديث صدر في نهاية العام الماضي أجرته منظمة الأغذية والزراعة للأمم المتحدة (الفاو)، فإن 67.6% من الأراضي الزراعية في غزة تعرضت للضرر بحلول سبتمبر 2024، وكانت هذه النسبة قد بلغت 42.6% فقط في فبراير، ثم ارتفعت إلى 57.3% في مايو، قبل أن تصل إلى ذروتها في سبتمبر.
وشملت الأضرار 71.2% من البساتين والأشجار المثمرة، و67.1% من المحاصيل الحقلية، و58.5% من الخضروات. كما تم تدمير 1,188 بئرًا زراعيًا، ما يمثل 52.5% من إجمالي الآبار في القطاع، بالإضافة إلى تضرر 44.3% من الدفيئات الزراعية.
ووفق بيانات مركز الميزان لحقوق الإنسان، فإن سلطات الاحتلال تلقي آلاف الأطنان من المتفجرات والصواريخ والقنابل، التي تحتوي على المواد السامة والعناصر الثقيلة الخطرة التي لها تأثيرات على الهواء والتربة.
ويضيف حمادة، “التغيرات المناخية أصبحت أكثر وضوحًا في غزة، هذا الوضع أثر بشكل مباشر على الزراعة. قبل الحرب، كانت هذه التغيرات المناخية بسبب الثورة الصناعية، والوقود الأحفوري، لكن بعد الحرب، أصبح التدمير الناتج عن القصف وتغيرات المناخ مرتبطًا ارتباطًا وثيقًا، حيث أصبحت الحرب هي السبب الرئيسي بنسبة تصل إلى 90%”.
وأوضح حمادة “أن الانبعاثات الناجمة عن الحرب الإسرائيلية على غزة كان لها تأثيراً هائلاً في المناخ، وأن الأشهر الأولى من الحرب تسببت في انبعاث كميات ضخمة من الغازات الدفيئة والمسببة للاحتباس الحراري تتجاوز ما تنتجه 20 دولة معرضة لخطر التغير المناخي خلال عام واحد”.
ويذكر “من أجل حماية الأراضي الزراعية على المدى الطويل، يجب إجراء فحوصات للأرض والتربة لتحديد حالتها ومعالجة المشاكل التي نتجت عن التلوث أو الدمار الناتج عن الحرب، ولكن الآن كل شيء صعب بسبب استمرار الحرب”.
ويختتم “الأمن الغذائي في غزة صعب جدًا، بعد أن كنا نصدّر للضفة الغربية والداخل المحتل، اليوم نستورد، وبأسعار باهظة جدًا”.
وسط استمرار الحرب وتفاقم أزماتها، لم يكن يوسف أبو ربيع مجرد مزارع، بل كان شاهدًا على معاناة الزراعة في غزة، حيث لم تترك الحرب للأرض فرصة للحياة، ولم تترك للمزارعين خيارًا سوى التمسك بما تبقى من أمل.
رحل يوسف، لكن معاناته لم تنتهِ، بل أصبحت حكاية يرويها كل مزارع لا يزال يصارع الخراب، بحثًا عن موسم جديد قد يأتي… أو لا يأتي.