الأرض في مواجهة اختلال غير مسبوق في توازن الطاقة
سوسنة، جميل ضبابات
تحبس الحرارة داخل الغلاف الجوي بمعدلات تفوق قدرته على التصريف، وهو ما يجعل الأرض تعيش اختلالا غير مسبوق في “ميزان الطاقة”.
وفي المناخ المستقر، تتساوى الطاقة الواردة من الشمس تقريبا مع كمية الطاقة الصادرة من الأرض.
غير أن هذا التوازن قد اختل بسبب ارتفاع تركيزات غازات الاحتباس الحراري التي تحبس الحرارة – وهي ثاني أكسيد الكربون والميثان وأكسيد النيتروز – إلى أعلى مستوياتها منذ ما لا يقل عن 800000 عام، كما أشار تقرير اممي علمي حديث.
وقد زاد الاختلال في توازن طاقة الأرض منذ بداية سجلات الرصد في عام 1960، ولا سيما في السنوات العشرين الماضية.
ووصل هذا الاختلال إلى مستوى مرتفع جديد في عام 2025.
تقول المنظمة العالمية للأرصاد الجوية في تقرير حديث لها، ان مناخ الأرض يختل توازنه أكثر من أي وقت مضى في التاريخ المرصود.
ومع تسجيل العقد الأخير كالأحر تاريخيا، بلغت غازات الدفيئة مستويات لم تشهدها البشرية منذ 800 ألف عام بسبب إدمان الوقود الأحفوري.
وهذا الفائض الحراري، الذي تمتص المحيطات 91% منه، هو المحرك الصامت وراء فوضى المناخ والظواهر المتطرفة التي تضرب استقرارنا العالمي.
ونقل موقع المنظمة العالمية عن أنطونيو غوتيريش، الأمين العام للأمم المتحدة قوله “يمر المناخ العالمي بحالة طوارئ. وكوكب الأرض يتعرض لضغوط تتجاوز قدرته على التحمل. وجميع المؤشرات المناخية الرئيسية تُنذِر بالخطر الداهم”.
وأضاف غوتيريش ” عاشت البشرية من قريب إحدى عشرة سنة كانت الأحر على الإطلاق. وعندما يعيد التاريخ نفسه إحدى عشرة مرة، فهذا ليس من قبيل الصدفة. بل إنها دعوة إلى العمل”.
وللمرة الأولى، يتناول التقرير “الاختلال في توازن طاقة الأرض” باعتباره أحد المؤشرات المناخية الرئيسية.
ويقيس توازن طاقة الأرض معدل دخول الطاقة إلى نظام الأرض وخروجها منه.
تقول الأمينة العامة للمنظمة العالمية للأرصاد الجوية سيليستى ساولو “أدت التطورات العلمية إلى تحسين فهمنا لاختلال توازن الطاقة على كوكب الأرض، وللواقع الذي يواجه كوكبنا ومناخنا حالياً”.
وذكرت ساولو أن “الأنشطة البشرية تُخلُّ بالتوازن الطبيعي أكثر فأكثر، وسنعيش مع هذه العواقب لمئات وآلاف السنين”.
وأضافت ساولو “أصبح طقسنا أكثر تطرفا يوماً بعد آخر. وفي عام 2025، أودت موجات الحر وحرائق الغابات والجفاف والأعاصير المدارية والعواصف والفيضانات بحياة الآلاف، وأثرت على ملايين الأشخاص، وتسببت في خسائر اقتصادية بالمليارات”.
ولا يمثل ارتفاع درجة حرارة الغلاف الجوي، بما في ذلك بالقرب من سطح الأرض (درجات الحرارة التي يشعر بها الإنسان)، سوى 1 %من الطاقة الزائدة، في حين تخزن كتل اليابسة القارية 5 %تقريبا من هذه الطاقة.
وأكثر من 91 % من الحرارة الزائدة تخزنها المحيطات، التي تعمل كحاجز رئيسي يحد من ارتفاع درجات الحرارة على اليابسة.
وقد بلغ المحتوى الحراري للمحيطات رقما قياسيا جديدا في عام 2025، وزاد معدل احترارها بأكثر من الضعف خلال الفترة 2005-2025 مقارنة بالفترة 1960-2005.
وهناك 3 % أخرى من الطاقة الزائدة تؤدي إلى تسخين الجليد وذوبانه.
وفقدت الصفائح الجليدية في المنطقة القطبية الجنوبية (أنتاركتيكا) وغرينلاند جزءاً كبيراً من كتلتها، وكان المتوسط السنوي لمساحة الجليد البحري في المنطقة القطبية الشمالية لعام 2025 هو الأدنى أو ثاني أقل متوسط على الإطلاق منذ بدء التسجيل باستخدام السواتل. وشهد عام 2025 فقداناً استثنائياً في كتلة الأنهار الجليدية في آيسلندا وعلى طول ساحل المحيط الهادئ لأمريكا الشمالية.
ويؤدي احترار المحيطات وذوبان الجليد إلى الارتفاع الطويل الأجل في متوسط مستوى سطح البحر العالمي، الذي أخذ يرتفع بوتيرة متسارعة منذ بدء القياسات باستخدام السواتل في عام 1993.
ووفقاً لتوقعات الهيئة الحكومية الدولية المعنية بتغير المناخ (IPCC)، سيستمر احترار المحيطات وارتفاع مستوى سطح البحر لقرون.
وقال غوتيريش”في هذا العصر الذي يشهد العالم فيه حروبا، يكشف الإجهاد المناخي أيضا حقيقة أخرى، وهي أن إدماننا للوقود الأحفوري يزعزع أمننا المناخي والعالمي على حد سواء”
واضاف”ينبغي أن يصاحب تقرير اليوم تحذيرٌ يقول: إن فوضى المناخ تتسارع، وإن التأخر تكلفته الموت”.
تقول ساولو “يسعى تقرير المنظمة عن حالة المناخ العالمي إلى توفير المعلومات اللازمة لإثراء عملية اتخاذ القرار. وهو ما يتماشى مع موضوع اليوم العالمي للأرصاد الجوية لأننا عندما نرصد اليوم، فإننا لا نتنبأ بالطقس فحسب، بل نحمي الغد أيضاً؛ نحمي الناس في الغد، ونحمي الكوكب في الغد”.
تظهر البيانات المستقاة من محطات المراقبة الفردية أن مستويات ثلاثة من غازات الاحتباس الحراري الرئيسية – ثاني أكسيد الكربون والميثان وأكسيد النيتروز – قد استمرت في الزيادة في عام 2025.
ففي عام 2024 – وهو آخر عام تتوافر بشأنه رصدات عالمية موحدة – بلغ تركيز ثاني أكسيد الكربون في الغلاف الجوي أعلى مستوى له في المليوني سنة الماضية، وبلغ تركيز الميثان وأكسيد النيتروز أعلى مستوى لهما في آخر 800000 سنة الماضية على الأقل.
وكانت الزيادة في التركيز السنوي لثاني أكسيد الكربون (CO2) في عام 2024 هي أكبر زيادة سنوية منذ بدء القياسات الحديثة في عام 1957.
ونتجت هذه الزيادة عن استمرار انبعاثات ثاني أكسيد الكربون من الوقود الأحفوري، وانخفاض فعالية مصارف الكربون على اليابسة وفي المحيطات.
ولا يزال عام 2024 – الذي بدأ بظاهرة نينيو قوية – هو العام الأحر، إذ بلغت درجة الحرارة في هذا العام 1.55 درجة مئوية فوق متوسط الفترة 1850-1900.
وبلغ المحتوى الحراري للمحيطات (حتى عمق 2000 متر) أعلى مستوى له منذ بداية التسجيل في عام 1960، متجاوزاً المستوى الأعلى السابق المُسجَّل في عام 2024.
ومنذ عام 2012، كان معدل ارتفاع متوسط مستوى سطح البحر العالمي أعلى منه في الفترة السابقة على التسجيل باستخدام السواتل، 1993-2011.
ووفقا للهيئة الحكومية الدولية المعنية بتغير المناخ، فان القيم الحالية لدرجة حموضة سطح المحيطات لم يسبق لها مثيل منذ 26000 عاما على الأقل.
وتُظهِر التغيرات في درجة حموضة المحيطات اختلافات إقليمية.
وكان المتوسط السنوي لمساحة الجليد البحري في المنطقة القطبية الشمالية لعام 2025 هو الأدنى أو ثاني أدنى متوسط مسجل على الإطلاق منذ بدء التسجيل باستخدام السواتل (1979)، وكان متوسط مساحة الجليد البحري في المنطقة القطبية الجنوبية لعام 2025 هو ثالث أقل متوسط بعد عامي 2023 و2024.
وبلغ الحد الأقصى اليومي للجليد البحري في المنطقة القطبية الشمالية (بعد التجمد الشتوي) في عام 2025 أدنى مستوى سنوي في سجلات الرصد (منذ عام 1979)، إذ بلغ حوالي 14.19 مليون كيلومتر مربع.
وكان الحد الأدنى اليومي السنوي للجليد البحري في المنطقة القطبية الجنوبية (بعد ذوبان الصيف) ثاني أدنى مستوى في سجلات الرصد. وشهدت السنوات الأربع الماضية أدنى أربعة مستويات مسجلة للجليد البحري في المنطقة القطبية الجنوبية.
ويمثل الإجهاد الحراري مشكلة متفاقمة،إذ يواجه أكثر من ثلث القوى العاملة في العالم (1.2 مليار شخص) خطر الحرارة في مكان العمل في مرحلة ما من كل عام، خاصة أولئك العاملين في قطاعي الزراعة والبناء. وإلى جانب آثاره على الصحة، يؤدي الإجهاد الحراري إلى خسائر في الإنتاجية وفقدان سبل العيش.