استغوار فلسطيني يستكشف العوالم الجيولوجية في عمق الأرض
سوسنة،خالد أبو علي
شهد كهف شقاق عرارةَ في العاشر من كانون الثاني الجاري مهمة الاستغوار الخامسة خلال ثلاثة أعوام.
وعلى مدار السنوات الماضية واصل فلسطينيون شغوفون باكتشاف العلامات الجيولوجية المميزة خاصة الكهوف العميقة في مختلف مناطق الضفة الغربية.
نفذ المهمة فريق ” إلى القمر” بقيادة الكابتن بلال حمامرة ، في إنجاز يعد علامة فارقة في سجل الاستغوار الفلسطيني.
يشير فريق ” الى القمر” الى نفسه كأول فريق فلسطيني يتمكن من اختراق كهف شقاق عرارة الغامض، الذي يحاكي في تضاريسه الداخلية بيئة كوكب المريخ، على حد وصف أعضاء الفريق.
ويقع الكهف على عمق يقارب 50 مترا تحت سطح الأرض في محافظة سلفيت وسط الضفة الغربية، ويعادل عمقه داخل الأرض حوالي 16 طابقا، وبمساحة تُقدّر بنحو 1000 متر مربع، ليغدو بذلك أطول كهف مكتشف حتى اليوم في تلك المحافظة.
يعتبر هذا الكهف واحد من الكهوف التي يصعب الوصول إليها، ما يجعله غير متاح للهواة دون معدات أمان ودليل متمرس من سلفيت إلى رافات.
انطلقت الرحلة ظهرا من مدينة سلفيت، الواقعة على السلسلة الجبلية المحاذية للساحل الفلسطيني، وبعد استغوار مغارة التل في محمية وادي المطوي في سلفيت، واصل الفريق طريقه نحو الكهف العميق.
جبل عرارة: ذاكرة بركانية في قلب الكلس
تابع الفريق مسيره بين أشجار الزيتون الكثيفة، عبر أراض امتلأت بحفر المياه بفعل المنخفضات الجوية الأخيرة، وصولا إلى جبل عرارة الواقع في أراضي كفر الديك، على بُعد 18 كم شمال شرقي بلدة رافات.
وتتميّز كفر الديك بطابعها الجبلي الحصين، حيث تنتشر الآثار الرومانية والبيزنطية والإسلامية، والنواميس المحفورة في الصخر والخرب المتناثرة والتي تضم أساسات لما يعتقد انها قلعة رومانية.
ويُعتقد أن جبل عرارة شهد نشاطا بركانيا قديمًا قبل ملايين السنين، لا تزال آثاره واضحة في التربة والحجارة البازلتية السوداء.
شقاق عرارة
الاسم كما نطقت به اللغة في معاجم اللغة العربية، تعني كلمة شِقاق الشق أو الصدع أو الفتحة، وهو توصيف دقيق لهذا الكهف الذي تشكّل بفعل القوى التكتونية، ثم نحتته المياه عبر ملايين السنين، ليصبح كهفا كارستيا طبيعيا ناتجا عن ذوبان الحجر الجيري بفعل المياه الحمضية والمياه الجوفية.
متحف جيولوجي حي تحت الأرض
أبرز ما يميز كهف شقاق عرارة هو الكثافة العالية للصواعد والهوابط، وهي تشكيلات مخروطية ناتجة عن ترسّب كربونات الكالسيوم مع تبخر قطرات الماء، بمعدل نمو لا يتجاوز 2 ملم سنويا.
وفي بعض المواضع، التقت الهوابط بالصواعد لتشكل أعمدة حجرية نادرة الجمال.
في هذه الكهوف يرصد غالبا نوع من الخفافيش صغيرة الحجم متعلقة بالهوابط.
قال عماد حميد وهو ناشط بيئي في السياحة الصحراوية “يتميز الكهف بدرجات حرارة في حدود 13 درجة مئوية ، وهو متحف طبيعي عالمي “.
واضاف” استمتعت جدا بمشاهدة الأشكال الغريبة والمثيرة التي نحتتها الطبيعة عبر ملايين السنين”
واوضح” المرور عبر الفتحات الضيقة في الكهف سمحت لنا بالوقوف احيانا والزحف احيانا اخرى بين العديد من الصواعد والهوابط والأشكال التي صنعتها الطبيعة إضافة إلى الأصوات المنبعثة داخل المغارة و أضواء الكشافات التي أضفت على المكان جوا فريدا من نوعه.”
اما عبد السلام الحلواني فيصفها بقوله: “مغامرات مجنونة يستمتع بتنظيمها فريق “الى القمر”… وحين يتعلق الأمر باستكشاف طبيعة فلسطين ، يرتفع الأدرينالين بكل جدارة، ويكون للأمر مذاق آخر.”.
يقول عماد طاطور القادم من الرينة “الكهف كارستي تشكل عبر ملايين السنين… من يشارك في هذه الجولات يجب أن يتمتع بلياقة بدنية عالية، وأن يستخدم معدات أمان كاملة بإشراف مختص.”.
ويصف فهد القواسمي من الخليل الوصول الى قاع الكهف بانه” تجربة لا توصف”
وقال ” عندما نزلت الى عمق الكهف كان حقا عالما مليئا بالمغامرة ومتعة الاستكشاف ، الإحساس بأنك تدخل مكانا لم تطأه قدم إنسان من قبل، عمره ملايين السنين”.
وقال بلال حمامره كابتن فريق الى القمر “الاستغوار فن الانتقال الآمن داخل الكهف دون إيذاء النفس أو الكهف… عدم لمس الصواعد والهوابط مبدأ أساسي لدينا”.
واضاف “جميع المشاركين تلقوا تدريبات مسبقة، و أمضينا ساعات ممتعة لا توصف في ونحن نتأمل التكوينات الجيولوجية لهذا الكهف الواقع بين رافات وكفر الديك.
من ناحيته قال خويلد الحلواني “تعلمت من جمال وقوة الصواعد والهوابط… كيفية الصمود والتحدي في ظل بيئة قاسية جدا”.
واضاف الحلواني” في داخل الكهف تنقلنا بين الهوابط المتدلية… وشاهدنا أعمدة حجرية في منتهى الجمال ، بعض الهوابط يعود تاريخها لملايين السنين، والتقاء الصواعد بالهوابط شكل أعمدة مذهلة بين الأرض والسقف”.
أما صالح الحلواني فوصف التجربة “دخلت عالما جيولوجيا جديدا… وعدت من هذه المغامرة محملا بذكريات وصور لمغامرة بيئية بامتياز”.
في ختام رحلة الاستغوار، وحين ودع كهف شقاق عرارة أبناءه العائدين من عمق العتمة إلى صدر الجبل، كانت النار قد اشتعلت من حطب الأرض بيد شباب سلفيت: ساهر شتية، ومعاذ بلاسمة، وقتيبة معالي. نارٌ صغيرة، لكنها كافية لتشعل الدفء في المكان والروح معا.
ارتفعت رائحة الشاي والقهوة فوق الصخور كتحية للأرض، بينما انشغل قتيبة عياش بتحضير الطعام على لهب يعرف أهله.
حول تلك النار، اجتمعت الأجساد الخارجة من رطوبة الكهف، تقطر عرقا وتستعيد نبضها، وكأن الجبل نفسه يمدّ يده ليحتضن أبناءه، في مشهدٍ بيئي يؤكد أن هذه الأرض لا تمنح أسرارها فقط، بل تمنح دفئها أيضا لمن يعرف كيف ينتمي إليها.
حقا كان كهف شقاق عرارة أرشيف جيولوجي وذاكرة وطن، يختزن في صخوره قصة الأرض الفلسطينية منذ ملايين السنين، ويؤكد أن حماية هذا الإرث الطبيعي مسؤولية علمية ووطنية لا تقبل التأجيل.
*خالد أبو علي، هو باحث وناشط بيئي فلسطيني يقيم بين مدينتي رام الله وجنين، ويعتبر أيضا خبيرا في التخطيط الاستراتيجي والطاقة الخضراء وله إسهامات متعددة في تنظيم النشاطات الخضراء