أحمد زيدات ..”ملك” السوسنة
سوسنة، آية عماد الدين
عندما يتذكر احمد زيدات علاقته بـ زهرة السوسنة فانه غالبا ما يعود الى سن السابعة من عمره، وهو يعتقد انه تعرف الى تلك الزهرة في الجبال القريبة من مسكنه في قرية فقوعة إحدى قرى محافظة جنين شمال الضفة الغربية.
وفي ذلك الوقت مثل الكثيرين من اقرانه، لم يعطها انتباها يتناسب مع حقيقة هذه الزهرة وأهميتها في الطبيعة الفلسطينية.
كانت الثقافة السائدة عند سكان المنطقة في ذلك الوقت عن هذه الزهرة الجميلة شبه منعدمة، وهذا ما جعل الزهرة تقع تحت ضربات الأطفال والمارين من المنطقة والتي أدت إلى اقتلاع أعداد كبيرة منها.
يقول زيدات “كنا نقتلعها ونعتدي عليها كثيرا”.
بعد سنوات بدأ تغير داخلي يطرأ عند الرجل تجاه السوسنة، الذي صار يعطي هذه الزهرة اهتماما واضحا.
كان ذلك في عام 1978، وبسبب عدم انتشار وسائل التوثيق في ذلك مثل هذه الأيام، كان من الصعب إبراز جمالية هذه الزهرة.
يمتلك زيدات خلفية جيدة عن الأزهار نظرا لعمله فترة شبابه في ترتيب الحدائق.
واليوم وهو بعمر الرابعة والسبعين يعيش زيدات فصلا ملهما من حياته، مقترنا بهذه الزهرة ذات الشأن العظيم.
إن التصاق زيدات بهذه الزهرة يزداد يوما بعد يوم.
ولفهم هذه العلاقة الوطيدة بين الرجل والزهرة، لا بد من دراسة الواقع البيئي المحيط به.
فقرية فقوعة هي إحدى القرى الفلسطينية التي يرتبط اسمها مباشرة بهذه الزهرة.
ومن هنا يمكن القول أن انتشار الزهرة الوطنية في القرية بكثرة هو أحد العوامل التي أدت إلى ولادة هذه العلاقة.
يقول الرجل “أنت تمشي بين واحات من السوسنة”.
تعطي الأعداد الكبيرة لزهر السوسنة في جبال فقوعة جمالية خاصة لهذه القرية، ولذلك حسب قول الرجل فإن الاعتداء على أي منها يعني تدمير جزء من هذه اللوحة الجميلة.
تظهر أزهار السوسنة في فقوعة مثل فسيفساء متشكلة من عدد من الألوان الجذابة لها.
ومع انتشار السوسنة بكثرة في فقوعة، أصبحت القرية واحدة من أهم وجهات المتنزهين والباحثين والمهتمين بالمجال البيئي خلال السنوات الماضية.
جعلت هذه الميزة البيئية زيدات أمام تحديات كبيرة لمنع الاعتداء على الزهرة.
قال الرجل: “كان يأتينا باليوم حوالي ألف زائر”.
إن قدوم عدد كبير دفعة واحدة إلى القرية يتطلب جهدا مضاعفا لحماية السوسنة من العبث فيها.
قال زيدات “كنا نعطيهم التعليمات اللازمة بضرورة عدم الاقتراب من السوسنة”.
بالنظر إلى الأمور من زاوية أخرى، فإن حديث زيدات عن علاقته مع السوسنة شيء ملفت للنظر.
بالنسبة لرجل تجاوز عقده السابع من عمره، فإن الذهاب يوميا إلى حديقة له مزروعة بالسوسنة فهو أمر في غاية الأهمية.
تعدت علاقة الرجل بالسوسنة ليتابعها حتى في الجبال القريبة منه.
يصف الرجل الزهرة بأنها نبات حساس، يتأثر بسرعة من العوامل المحيطة.
توجت هذه العلاقة الجميلة بين الرجل والزهرة بلقب “ملك السوسنة” أصبح يطلقه عليه أبناء قريته.
استطاع الرجل خلال السنوات الماضية توثيق 18 لونا للسوسنة على حد قوله، لكنه قال لمنصة “سوسنة”، إنه يعتقد ان للزهرة أكثر من 600 لون، الا ان هذا الرقم يبدو غريبا ولا يوجد ابحاث علمية تدعمه، يظل اعتقاد شخصي.
تمر الزهرة هذه الأيام بذروة الموسم السنوي لها، والذي يبدأ من منتصف شباط ويتنهي مع نهاية آذار من كل عام.
في هذه المدة يضاعف الرجل من تواجده في الجبال المليئة بالسوسنة.
كان واضحا عليه علامات الحدة وعدم الرضا عن سلوكيات بعض المواطنين أثناء تواجدهم في القرية لرؤية السوسنة، من اقتلاعها والاعتداء عليها.
“إنني اعاملها كالاطفال”. قال زيدات.
أصبح الرجل واحداً من أهم مزودي الباحثين البيئين والمهتمين وحتى المواطنين باللقطات الجميلة للزهرة يوميا.
يقول إنه يومياً يلتقط صورا للزهرة وجمالها وينشرها عبر مواقع التواصل الاجتماعي.
يقول المدير التنفيذي لجمعية الحياة البرية في فلسطين عماد الأطرش، أن في الضفة الغربية وقطاع غزة عشرة أصناف من السوسن، معظمها أصلية، أصغرها سوسنة الأزرق.
تنمو في فقوعة مرورا بمنطقة المغير قضاء جنين، ثم ابزيق شمال شرق طوباس، ويرزا وتياسير وحمامات المالح شرق طوباس، وصولا إلى برية القدس ومنطقة مخماس.
وبذلك فإن تواجدها موزع على محافظات جنين وطوباس والقدس ورام الله، بالإضافة إلى منطقة الباذان.
وسوسنة فقوعة، هي زهرة موطنها فلسطين، في محافظة جنين، تتبع الفصيلة السوسنية، تتميز بلونها البنفسجي القاتم، وكبر حجم البتلات الزهرية، تنمو وتتفتح في جبال فقوعة خلال الفترة ما بعد السادس من شباط حتى بداية شهر نيسان.
والسوسنة زهرة نادرة على مستوى العالم.
اعتمدتها الحكومة الفلسطينية في الخامس من ابريل عام 2016 النبتة الوطنية لفلسطين، وإضافتها إلى الرموز والشعارات الوطنية.
أصبحت الطوابع والميداليات والشعارات الوطنية التي تكرس هذه النبتة كعنصر من عناصر التراث الوطني الفلسطيني، وتنمية الوعي الوطني بأهمية حماية البيئة وقيم وعناصر التراث الطبيعي، وحماية عناصر التراث الطبيعي الوطني من السرقة والتزييف، وإظهار الوجه الحضاري والمتميز للمجتمع الفلسطيني في حماية البيئة والطبيعة.