الهجرة الخريفية للطيور: حين تتزين سماء فلسطين بأسراب الطيور
سوسنة/ آية عماد الدين
نظرة واحدة إلى السماء الصافية صدفة هذه الأيام، تمنح الكثير من سكان الضفة الغربية فرصة موسمية لمشاهدة اسراب مختلفة من الطيور قادمة من الشمال.
فخلال الثلث الأول من شهر سبتمبر/ أيلول لهذا العام (2026)، وفي وقت بين العصر والمغرب، كان سرب من طائر اللقلق الأبيض يحوم في سماء مدينة طوباس شمال الضفة الغربية، متجها نحو الجنوب، بسرعة مكنته خلال دقائق من مغادرة المنطقة.
يقطع الطائر خلال هجرته الخريفية من اوروبا الى افريقيا مسافة تتراوح بين 800 و1000 كيلومتر في اليوم الواحد.
بدت حركة السرب بشكل دائري على ارتفاع قدره المدير التنفيذي لجمعية الحياة البرية في فلسطين، عماد الأطرش، بحوالي 300 متر عن سطح الأرض.
في هذا الوقت، يكون قد مضى على بدء الهجرة الخريفية للطيور فلكيا نحو شهر تقريبا، فهذه الهجرة الخريفية للطيور تبدأ كل عام من منتصف أغسطس/ آب، وتستمر حتى منتصف تشرين الثاني/ نوفمبر.
لكن يمكن قبل ذلك مشاهدة هجرة بعض الطيور تبدأ بعبور الضفة الغربية مع بداية آب، على شكل مجموعات بعدد قليل في السرب الواحد، والتي يُطلق عليها اسم “الهجرة المبكرة” للطيور.
كما حدث مع طائر اللقلق ذاته قبل سنوات، حين وصل إلى فلسطين قبل موعده واستقر فيها.
لكن خلال الفترة الطبيعية للهجرة الخريفية، تصل الطيور إلى سماء فلسطين على شكل جماعات بالآلاف، يمكن رصدها من خلال الباحثين بالتنوع الحيوي في فلسطين وايضا تصويرها من قبل مصوري الحياة البرية.
في ذروة الهجرة الخريفية للطيور، رصد المدير التنفيذي لجمعية الحياة البرية في فلسطين، عماد الأطرش، عام 2000، اعدادا كبيرة من هذا الطائر قدرها ب 20 ألف طائر لقلق أبيض في نهار واحد.
واللقلق الأبيض هو واحد من حوالي 400 صنف تمر في سماء فلسطين خلال الهجرة الخريفية لها.
ويُعد الزرزور واللقلق والحدأة من أشهر الطيور المهاجرة التي يتم رصدها سنويا في فلسطين خلال الهجرة الخريفية.
تبدأ رحلة هذه الأصناف من الطيور من أوروبا، ثم تركيا، ثم لبنان، ثم إلى مصر أو باب المندب، وصولا إلى جنوب إفريقيا.
لكن المهم هو رحلة الطيور في سماء فلسطين.
يقول الأطرش إن سماء فلسطين كلها مسار للطيور المهاجرة.
ويقدر الباحثون والمؤسسات المهتمة بتوثيق الرحلة الخريفية عدد الطيور المهاجرة عبر فلسطين حوالي 500 مليون طائر في سماء فلسطين خلال الهجرة الخريفية.
يدل هذا العدد الكبير من الطيور على أهمية الموقع الجغرافي لفلسطين، كونها رابطا جغرافيًا خلال الرحلة العجيبة لتلك الطيور.
يقول الأطرش إن صِغر المساحة الجغرافية لفلسطين هيأها لتكون مسارات للطيور المهاجرة في رحلتها الخريفية.
ويصف الأطرش فلسطين بأنها “عنق الزجاجة” التي تمر منها تلك الطيور.
وتمر أسراب من الطيور الكبيرة “الجارحة” نهارا في سماء فلسطين، في رحلة “الهجرة النهارية”، مستغلة هبات الهواء التي تساعدها على التحليق لمدة طويلة، فيما تكون هجرة الطيور الصغيرة “المغردة” ليلا، وهي التي تقطع مسافات أقصر مقارنة بتلك التي تقطعها الطيور الكبيرة.
وعندما تصل الطيور المهاجرة إلى فلسطين، وهي إحدى المحطات الجغرافية في رحلتها، تقفز حركة الرصد والتوثيق لدى المهتمين والباحثين في التنوع البيئي في فلسطين.
ويخلق ذلك فرصة كبيرة للتوثيق وإجراء البحوث العلمية عن سلوك الطيور.
ويلعب الاختلاف في درجات الحرارة دورا كبيرا في رحلة الطيور المهاجرة، فارتفاعها يساعد على التبكير في انطلاقة تلك الرحلة سنويا.
استطاع الأطرش خلال السنوات الماضية توثيق أصنافا من الطيور التي تستخدم سماء فلسطين في هجرتها، وقد استقر في فلسطين.
يقول الأطرش لـ”سوسنة” “وثقنا في السنوات الماضية الهدهد الأوروبي، وقد استقر في فلسطين”، كما هو الحال مع اللقلق الأبيض الذي استقر وبنى اعشاشا له في منطقة فصايل شمال أريحا بالأغوار الجنوبية.